نيويورك تايمز | اليمني الجديد
قبل وقت طويل من سقوطها في قبضة قوات الحوثيين هذا الأسبوع، اشتهرت مدينة المخا، ميناء البحر الأحمر العريق، كإحدى البوابات الأصلية لتجارة البن العالمية.
كانت المدينة مركزًا تجاريًا مزدهرًا في أوج ازدهارها، بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، يضم العديد من المقاهي في منطقة احتكرت إمدادات حبوب البن العالمية لأكثر من مئة عام.
ويمتد هذا الإرث إلى ثقافة القهوة الحديثة، حيث استمدت حبوب البن ومنتجاتها المتخصصة ومشروب الموكا، وهو مشروب من الشوكولاتة والإسبريسو، اسمها من المدينة.
وقد جعلت بعض السمات التي مكّنت المخا من الهيمنة على تجارة البن قبل قرون المدينة هدفًا استراتيجيًا ثمينًا في الصراع الحالي في اليمن.
ويقول آلان ميخائيل، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة ييل: "للجغرافيا دورٌ هام"، ويضيف إن قرب المخا من مضيق باب المندب، وهو ممر مائي ضيق يقع على بعد حوالي 50 ميلاً جنوب المدينة ويربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، قد منحها على مدى قرون نفوذاً على أحد أهم الممرات التجارية في العالم.
صعود عاصمة القهوة
احتل العثمانيون اليمن في أواخر ثلاثينيات القرن السادس عشر، وحوّلوا المخا من قرية صيد صغيرة إلى مركزٍ عالمي للقهوة.
كانت القهوة قد رسخت أقدامها في المنطقة، فقبل ذلك بنحو قرن، يعتقد الباحثون أن سكانها كانوا أول من تناول مشروبًا يعرفه عشاق القهوة اليوم.
وربما بدأت هذه العادة مع الرهبان الصوفيين العرب، الذين كانوا يشربون هذا المشروب المنبه للبقاء مستيقظين لأداء صلاة منتصف الليل.. وبحلول منتصف القرن السادس عشر، انتشر شرب القهوة على نطاق واسع في المنطقة، التي شهدت العديد من الإنجازات الرائدة الأخرى في مجال القهوة.
تقول نانسي أوم، مؤلفة كتاب "بيوت تجار المخا"، عن تاريخ تجارة المدينة: "اليمن ليس موطنًا لعادة شرب القهوة كمشروب نعرفه اليوم فحسب، بل هو أيضًا موطن زراعة البن على نطاق واسع، وهو في الواقع أول من صدّر القهوة إلى العالم".
بدأ الأتراك في اليمن، زراعة البن على نطاق تجاري في المرتفعات المحيطة بالمخا، وصدروه إلى جميع أنحاء إمبراطوريتهم.
كما احتكروا تجارة البن، ومنعوا تصدير حبوب البن من اليمن إلا بعد غليها أو تحميصها لمنع إنباتها، كما ذكر مارك بيندرغراست في كتابه "أرض غير مألوفة" الصادر عام 1999. (بحسب بيندرغراست، في القرن السابع عشر، قام حاج مسلم يُدعى بابا بودان بتهريب سبع بذور بن عن طريق ربطها ببطنه، ونجح لاحقًا في زراعتها في الهند، مع أن الباحثين يشككون في صحة هذه الرواية).
كان قرب المخا من مضيق باب المندب عاملاً أساسيًا في ازدهارها، إذ ربطها بالبحر الأبيض المتوسط عبر البحر الأحمر، وبآسيا عبر المحيط الهندي، ويتعين على السفن اليوم عبور المضيق للوصول إلى قناة السويس والمياه الأوروبية.
كان سكان المخا، وهم تجار من مختلف الأعراق والأديان، يتاجرون بمنتجات متنوعة تشمل المعادن والمنسوجات والتوابل، إلا أن ارتباطها الوثيق بالقهوة بدأ في القرن السابع عشر، عندما أنشأت كبرى الشركات التجارية الأوروبية، بما فيها شركة الهند الشرقية البريطانية والهولندية، مراكز تجارية فيها.
وقالت السيدة أم: "عززوا ارتباط المخا بالقهوة بتسمية جميع حبوب البن التي اشتروها من اليمن وشحنوها من ميناء المخا باسم "قهوة المخا".
بحلول عشرينيات القرن الثامن عشر، كانت زراعة البن قد بدأت في منطقة الكاريبي وجاوة بإندونيسيا، فتضاءل دور المخا المحوري، وجاءت الضربة القاضية في أوائل القرن التاسع عشر عندما استولى البريطانيون على عدن، المدينة الساحلية الواقعة شرقًا، وجعلوها مركزهم التجاري الرئيسي في المنطقة، بحسب السيدة أم.
إحياء هش
أُنشئ ميناء حديث في المخا في خمسينيات القرن العشرين، ولكن بحلول ذلك الوقت كانت صناعة البن في المنطقة قد اختفت تقريبًا.
وقد حوّلت اليمن مساحات شاسعة من أراضيها الزراعية إلى زراعة القات مع مرور السنوات، وهو نبات يُستخدم لمضغه لما له من تأثيرات شبيهة بالأمفيتامين، ويشمل ذلك مناطق إنتاج البن في البلاد، والتي تخضع في معظمها لسيطرة الحوثيين.
يقول إبراهيم المرعشي، الأستاذ المشارك لتاريخ الشرق الأوسط في جامعة ولاية كاليفورنيا: "عندما استُبدل البن بالقات، كان ذلك بمثابة حكم بالإعدام على اليمن".
وأوضح المرعشي أن القات، الذي يُباع ويُستهلك محلياً، يستنزف مدخرات الأسر ويُثقل كاهل الاقتصاد، كما أنه يستهلك كميات كبيرة من المياه، مما يُعطي الحوثيين مزيداً من النفوذ، إذ يُسيطرون على مصادر المياه الرئيسية في بعض المناطق.
لكن السنوات الأخيرة شهدت حركة لإعادة إحياء صناعة البن في المخا واليمن، وربط المزارعين المحليين بمقاهي يمنية حول العالم.
ويقول مختار الخنشلي، صاحب شركة بن في اليمن تربط حوالي 6000 مزارع بمحامص عالمية: "ينظر المزارعون الآن إلى البن كبديل محتمل للقات، ووسيلة لتحسين أوضاعهم المعيشية".
وأضاف أن تصاعد الصراع في اليمن مؤخرًا قد عرّض المكاسب الأخيرة للخطر، إذ هدد سلامة المزارعين، وصعّب عليهم تصدير منتجاتهم، وهدد بدفعهم للعودة إلى زراعة القات.
وتابع قائلًا: "كان البن يمنح اليمنيين بصيص أمل لأول مرة منذ سنوات، أما الآن، فقد تحوّل الميناء الذي كان من المفترض أن يصدّر هذا البن إلى العالم إلى ساحة حرب".





