السبت، 12 سبتمبر 2026 | الموافق ٢٩ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ
الرأي

مالذي جرى في الساحل؟.. أسئلة لا يجوز دفنها مع الرجال.

الدكتور عادل الشجاع "الخلاف بين رئيس المجلس الرئاسي والحكومة يكشف ضعف القرار اليمني والهيمنة الخارجية ومقتل صالح كان ضمن اتفاق دولي"

ما حدث في الساحل الغربي لا ينبغي أن يقرأ من زاوية خلافنا أو اتفاقنا مع طارق صالح، فاختزال القضية في رجل قد يحجب الحقيقة، وإذا حجبت الحقيقة فسوف نسمح بابتلاع ما تبقى من الرجال والأرض، وسنكرر الاتهامات غدا في مكان آخر..

السؤال الأول: لماذا أعلن عن بدء المعركة وتشكيل غرفة عمليات مشتركة، ثم انتهى الأمر بالساحل يقاتل بمفرده؟ من اتخذ القرار؟ ولماذا تركت قوات في الميدان تواجه مصيرها بعيدا عن الصورة التي رسمت لها قبل المعركة؟.

ثم يأتي السؤال الأخطر: الطيران الذي كان يقصف القوات أثناء المعركة، كان يتبع من؟ إذا كان تابعا للحوثيين فهذه كارثة عسكرية تستوجب كشف ملابساتها، وإذا كان تابعا لطرف خارجي، فمن هو هذا الطرف؟ ولماذا تدخل ليحسم ميزان المعركة لمصلحة الحوثيين؟.

ولنذهب أبعد: لنفترض أن طارق صالح أخطأ، أو خان، أو سلم الساحل كما يروج الآن. هل يصبح المقاتل الذي قاتل تحت قيادته شريكا في الخيانة؟.

إذا كانت هناك تهمة، فلتوجه إلى من ارتكبها، وإذا كانت هناك خيانة فلتقدم أدلتها ويحاسب أصحابها. أما أن يستقبل المقاتلون الذين انسحبوا باتجاه رأس العارة بالإهانة، وتجريدهم من سلاحهم، وتركهم في العراء، فهذه قضية لا يجوز دفنها تحت أي مسمى..

والأشد قسوة أن تتعرض الأسر التي فرت من أرض المعركة للإهانة وسلب الكرامة في مناطق يفترض أنها تحت حماية الشرعية.

وهنا تصبح المسؤولية الأخلاقية والسياسية على عاتق الشرعية نفسها: فإذا كانت هذه الأسر قد احتمت بها باعتبارها ملاذا، فعليها أن تحميها وتصون كرامتها، فلماذا تركتها تواجه الإذلال كأنها عقوبة على حرب لم تكن هي من قررها..

هؤلاء المقاتلون لم يرسموا خطط المعركة، ولم يديروا غرف العمليات، ولم يمتلكوا الطيران، ولم يعقدوا التفاهمات السياسية. كانوا في مقدمة النار، وحين انهارت الجبهة وجدوا أنفسهم أمام مأساة أخرى: أن يصبح من يفترض أنهم حلفاؤهم مصدر خوفهم وإهانتهم..

لا نحتاج إلى خيانة جاهزة تستخدم لإغلاق الملف، ولا إلى تبرئة مجانية لأحد. نحتاج إلى حقيقة: من ترك الساحل يقاتل وحده؟ من امتلك قرار الطيران؟ من أغلق الطريق أمام المنسحبين؟ ومن المسؤول عن حماية المقاتلين وأسرهم حين وصلوا إلى مناطق الشرعية؟.

قد يكون ما حدث نتيجة فوضى وانهيار عسكري، وقد تكون وراءه قرارات وحسابات لم تكشف بعد. لكن كل ذلك يستحق تحقيقا وإجابات، لا صمتا وتخوينا..

الأرض يمكن أن تستعاد، أما الرجال الذين تكسر كرامتهم بعد أن قاتلوا من أجلها، والأسر التي تهان بعد أن احتمت بمن يفترض أنها شرعيتها، فإن خسارتهم أعمق من خسارة جبهة..

لا نحتاج إلى بطولة مصطنعة ولا إلى خيانة جاهزة تستخدم لإغلاق الملف. نحتاج إلى حقيقة واحدة واضحة: من الذي قرر أن يقاتل الساحل وحده؟ من الذي امتلك قرار الطيران؟ من الذي أغلق الطريق أمام المنسحبين؟ ومن الذي سمح بأن يتحول مقاتلو الجبهة وأسرهم إلى مطاردين ومهانين..؟