الأسرة اليمنية وبناء التعايش المجتمعي: مسؤولية تبدأ من الداخل

Author Icon الدكتور / نادر السقاف

نوفمبر 29, 2025

في اليمن، حيث التنوع الثقافي والمناطقي والديني والمذهبي يُشكّل نسيجًا غنيًا ومميزًا، يصبح التعايش المجتمعي ليس مجرد خيار، بل ضرورة لبقاء الوطن وسلامه. ومع تعمّق الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تظهر الحاجة لإعادة النظر في المنطلقات التي نعوّل عليها لبناء مجتمع سليم. وفي قلب هذه المنطلقات، تبرز الأسرة بوصفها النواة الأولى التي يمكنها أن ترسّخ قيم التفاهم، والانتماء، والعدالة.
الأسرة اليمنية ليست مجرد وحدة اجتماعية، بل هي مدرسة القيم الأولى. فيها يتعلم الإنسان أولى دروسه في الحب والاختلاف، في التعاون والتكامل، في الاستماع والمواجهة. العلاقة بين الرجل والمرأة داخل الأسرة، إن بُنيت على احترام الاختلاف لا محاولة إلغائه، تنتج نموذجًا صحيًا يُترجم لاحقًا في تعامل الأفراد مع المجتمع. وهنا يكمن دور الأسرة في خلق جيل لا يهاب التنوع، بل يراه مصدر قوة وتكامل.
ومن الأهمية بمكان إدراك أن الأطفال يتعلمون أكثر مما نعتقد عبر الملاحظة اليومية. فالطفل الذي يرى والده يحترم الجيران مهما كانت خلفياتهم، أو والدته تتعامل بلطف مع بائع بسيط من لهجة أخرى، ينشأ وهو يحمل بداخله بذور التسامح الفعلي لا النظري. هنا تتجلى الأسرة كمرآة مصغرة للمجتمع الذي نحلم به.

التنوع داخل الأسرة... بداية التعايش الحقيقي

غالبًا ما يُنظر إلى التنوع، سواء في الآراء أو الشخصيات أو الطموحات، كسبب للتوتر والخلاف. لكن في الواقع، الأسرة المتنوعة في طباعها وتفكيرها هي بيئة مثالية لتعلّم مهارات التعايش. عندما يتعلم الطفل أن اختلافه عن شقيقه لا يلغي قيمة أي منهما، وأن الحوار هو الوسيلة الأفضل لحل النزاع، فهو ينشأ على قبول الآخر وتقدير الفروقات بين الناس.
للأسف، أحيانًا تُربّي الأسر أبناءها على الانغلاق، وعلى أحكام مسبقة تجاه من يختلف عنهم في الخلفية أو الرأي أو الدين أو المذهب أو حتى اللهجة. هذا ما يعمّق الانقسامات لاحقًا حين يخرج هؤلاء الأبناء إلى المجتمع الأوسع. في المقابل، الأسرة التي تحتضن التنوع الداخلي تُعدّ أفرادها ليكونوا أكثر مرونة وتقبلًا للآخرين، وأكثر قدرة على بناء علاقات إنسانية قائمة على الاحترام والتفاهم.
وفي هذا الإطار، يمكن للأسرة أن توظف القصص العائلية كأداة فعّالة لنقل القيم. كثير من القيم العليا في ثقافتنا اليمنية كانت تُنقل عبر الحكايات التي يرويها الأجداد والآباء عن مواقف الشجاعة أو الكرم أو التسامح. إعادة إحياء هذا الأسلوب التربوي داخل الأسرة يمكن أن يُسهم في ترسيخ قيم التعايش بطريقة وجدانية وقريبة من وجدان الطفل.

في مواجهة التحديات: قيم لا بد من ترسيخها

الأسرة اليمنية واجهت الكثير من التحديات في العقود الأخيرة، من حروب وتشظٍّ سياسي، إلى أوضاع اقتصادية ضاغطة. ورغم ذلك، لا تزال كثير من الأسر قادرة على الصمود، بل والقيام بأدوار إيجابية. غير أن المرحلة الحالية تتطلب أكثر من مجرد الصمود، تتطلب بناء وعي أسري جديد يُركّز على غرس القيم التي تضمن للمجتمع التماسك والاستقرار.
من بين هذه القيم، تبرز العدالة داخل الأسرة بوصفها اللبنة الأولى لتحقيق عدالة مجتمعية أوسع. حين يشعر الطفل أو الطفلة أن صوتهما مسموع، أن حقوقهما محفوظة، وأن التعامل معهما لا يخضع للتمييز، فإنهما يكبران بفهم أعمق لمعنى الكرامة والمساواة.
كذلك فإن الاحترام المتبادل، الصدق، الحوار كأسلوب حياة، وخدمة الآخرين، هي قيم ينبغي أن تكون حاضرة يوميًا في السلوك الأسري، لا مجرد شعارات. هذه القيم لا تُكتسب من المدارس أو الإعلام فقط، بل من التفاعل اليومي داخل البيت. الأب الذي يحترم الأم أمام الأبناء، يعلّمهم احترام النساء. الأم التي تُنصت لرأي ابنها أو ابنتها، تزرع فيهما الثقة. هكذا تُبنى بيئة تساعد على التعايش داخل الأسرة أولًا، وفي المجتمع لاحقًا.
ويُضاف إلى ذلك أهمية إشراك الأبناء في اتخاذ بعض قرارات الأسرة، كالتخطيط لنشاط مشترك أو إدارة ميزانية صغيرة، مما يمنحهم إحساسًا بالمسؤولية والانتماء. هذا التمرين البسيط يُرسّخ في نفوسهم فكرة أن آرائهم لها وزن، ويُعدّهم لاحترام وجهات النظر المختلفة.

الأسرة شريكة في بناء المستقبل

التعايش ليس حالة تلقائية تنشأ مع الزمن، بل هو نتيجة تربية طويلة المدى. ولهذا فإن مسؤولية الأسرة لا تنتهي عند حدود المنزل، بل تمتد إلى المساهمة الفعلية في إعادة بناء النسيج الاجتماعي الذي تضرر بفعل سنوات من الانقسام والخطابات الإقصائية. ولكن الأسرة لا تستطيع وحدها أداء هذا الدور دون دعم من مؤسسات التعليم والإعلام.
المدرسة ينبغي أن تكون امتدادًا لقيم الأسرة، لا نقيضًا لها. المناهج التعليمية تحتاج إلى أن تعكس هذه الرؤية، وتُشجع على احترام الآخر، وتُعلّم الأطفال كيف يختلفون دون أن يتخاصموا. أما الإعلام، فعليه أن يُسلّط الضوء على قصص الأسر المتسامحة، وألا يُكرّس الصور النمطية أو الخطابات التي تزرع الشك والعداء بين فئات المجتمع.
إن إعادة تعريف النجاح الأسري على أساس القيم التي تُغرس لا المناصب التي تُحقّق، هو بداية تحول حقيقي. الأسرة الناجحة ليست فقط تلك التي تُخرّج طبيبًا أو مهندسًا، بل تلك التي تُنتج إنسانًا متصالحًا مع ذاته، ومع الآخرين، قادرًا على المشاركة بإيجابية في مجتمعه.

من داخل بيوتنا يبدأ اليمن الجديد

إذا كنا نحلم بيمن يتّسع لكل أبنائه، ويحترم تنوّعهم، ويحتضن اختلافاتهم، فلا بد أن نبدأ من المكان الذي يتكون فيه الإنسان: من داخل الأسرة. التربية على التعايش ليست مهمة عابرة، بل مشروع وطني طويل المدى. والأسرة، رغم كل ما تعانيه، تظل المكان الأمثل لهذا المشروع.
قد لا نستطيع أن نُغيّر بلادنا كلها دفعة واحدة، لكننا نملك أن نُغيّر مناخ بيوتنا. وكل بيت يسير في هذا الطريق هو حجر في بناء مجتمع أقوى، أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على احتضان مستقبله.
ربما لا نملك سلطة القرار في مسارات السياسة، لكننا نملك سلطة التأثير في أطفالنا، وشكل الأحاديث حول موائد الطعام، وطريقة تعبيرنا عن مشاعرنا اليومية. ومن هذه المساحات الصغيرة، تبدأ أعمق وأصدق التحولات.
فهل نملك الشجاعة والإيمان لنبدأ من هناك؟

زر الذهاب إلى الأعلى