من يغادر السلطة لا يعود ..
الجنوبيون يستحقون قادة وأفكارًا وإعلامًا وأفعالًا تلامس واقعهم . لا تُحلّ أزمات الجنوب تظاهرة أو خطبة عصماء ، أو بشخص أو فصيل دون سواه ، وإنما بطليعة قيادية وواعية تستشعر المسؤولية الوطنية والتاريخية ، وإعلام يتجاوز الشعارات، وأفكارٍ تلامس حياة الناس وتخرجهم من أزماتهم الراهنة والمُزمنة .
فلن نبرح حالنا أو نتجاوز ازماته الكثيرة والمعقدة إذا ما بقينا أسرى المنهجية ذاتها التي سادت في عصر الحراك أو الحرب أو التحرير وما أعقبها .
" أيها الجمهور الكريم، يا أبناء الجنوب الصامدين، يا شعبنا العظيم " ، إن هذه الخطابات العاطفية والمفردات الثورية وحدها لا تبني وطنًا ، ولا تحلّ أزمة، ولا تشفي جرحًا .
كما أن التظاهرات التي باعثها العصبية للمكان أو للطائفة أو للفكرة أو أنها نتاج ردة انفعال عاطفية أو كراهية للآخر يجب أن تتوقف، لأنها تزيد الإنقسام ولا تصلحه أو ترممه .
التشييع المهيب للقرابين – مع كل إجلالنا ووجعنا لتلك التضحيات – صار طقسًا اعتياديًا يفتقر في كثير من الأحيان إلى غاية وطنية سامية وعادلة .
فالأهم من المظاهر هو الوفاء للشهداء ، بالفخر والاعتزاز بسمو الغاية ونُبل التضحية وعدالة القضية ، وبتكريمهم وضمان حياة كريمة لأسرهم وللإحياء عمومًا ، سواء بمسكن لائق، أو منحة دراسية، أو راتب مستقر يحفظ الكرامة ويحول التضحية إلى أمل معاش .
إن الوفاء الحقيقي للشهداء ليس بالدموع والخُطب والمرثيات ، بل ببناء وطن يستحق أن يُعاش فيه بكرامة. لنكن جريئين في التفكير، شجعان في الحوار، متسامحين في الخلاف، وحكماء في الاختيار .
إن من يغادر السلطة بقوة السلاح ، قلّما يعود إليها ، ومن السذاجة أن نظلّ نعيش على ذكريات الأمس، ندعو للانتقام ونتغنى بالثأر، كأننا أسرى مأساة لا تنتهي ، فلنتعلم من دروس التاريخ، لا أن نكون ضحايا تكراره .
قد يرى البعض في كلامي هذا استفزازًا لما يعتبرونه نضالًا أو تضحيةً أو هدفًا وطنيًا ساميًا، ولكني لا أقصد استفزاز أحد، ولا إثارة جراح الماضي ، فنحن جميعًا شركاء في المعاناة، وأريد فقط أن نخرج من المساحة الضيقة التي حُشرنا فيها، دون محاولة جادة وجريئة لتخطي حدودها.
ما جرى في حرب ١٩٩٤م لا يقارن – في حجم المأساة – بما حدث في دول مثل سوريا أو العراق أو رواندا، لكن فعلنا في الواقع لا يلغي معاناة الجنوبيين ولا يحقّق لهم العدالة.
نعم، الجنوبيون ليسوا أكثر معاناة من شعوبٍ عانت ويلات الحروب والإبادة والتطهير العرقي في أصقاع العالم، واستطاعت أن تنهض من رمادها وتعيد بناء دولتها .
فلنغادر ثقافة الشكوى والتذمر التي ورثناها من عهود وحقب مختلفة ، فمن العيب أن تمتلك السلطة والقوة والموارد والقرار، ثم تقيد نفسك بتصورات بالية وأوهام تاريخية عفا عليها الزمن .
لقد سقط النظام الذي انتفضنا ضده، وسقطت الدولة ، وتغيرت الظروف الموضوعية والذاتية، فلماذا نصرّ على إغلاق كل أبواب الحل السياسي؟ ولماذا نرفض أي خيار غير استعادة الدولة الجنوبية السابقة، دون أدنى اعتبار للحلول الأخرى أو الرؤى المختلفة؟
نحن ننادي بدولة عادلة ومنصفة لكل اليمنيين، فهل يمكن أن تقام هذه الدولة على أنقاض الماضي، جنوبًا وشمالًا؟ وإذا كان مكونًا يتمسك بخيار الدولة الجنوبية وحدها ، فماذا عن المكونات الجنوبية الأخرى التي ترى في الفيدرالية أو الدولة الاتحادية حلاً عادلاً وممكنًا؟
والسؤال الأهم: هل لدينا فكرة إيجابية واحدة يمكن أن تنهي هذه الحالة التي استمرت لعقود؟. لا يمكن أن يبقى الوضع على ما هو عليه. نحتاج إلى نافذة أمل تفتح لنا طريقًا إلى دولة المستقبل، دولة تليق بكل إنسان حر، وتليق بكل التضحيات الجسام التي قدّمت في سبيل غاية سامية واحدة: كرامة اليمنيين جميعًا.
المستقبل لا يأتي أو يُنسخ من ملفات الماضي، بل يُصنع بإرادة الحاضر ورؤية تتجاوز الألم إلى الأمل . فلتكن كل الخيارات محل نقاش وحوار جاد ، ولتكن غاية الجميع دولة عادلة ومستقرة وبعيدًا عن الإقصاء أو التخوين أو الانتقام ، ففي نهاية المطاف، الوطن لا يُبنى على جراح وألم الماضي ، بل على تسامح وأحلام المستقبل ..
محمد علي محسن