السياسة بلا اقتصاد: لماذا تفشل التسويات في اليمن؟
الدولة، في جوهرها، لا تكون دولة إلا إذا كانت محايدة ومؤسسية؛ وحيادها هو ما يُنهي الحاجة للصراع، ومؤسسيتها هي ما يحوّل القوة إلى قانون.
وحين تغيب الدولة المحايدة، لا تنهار فجأة، بل تفرغ من الداخل، وتتحول تدريجيًا إلى ساحة صراع دائم. عندها لا يعود الخلاف سياسيًا، بل يتحول كل شيء إلى تنازع مستمر على الموارد، والشرعية، والهوية، وتتحول الدولة تلقائيًا إلى غنيمة، والغنيمة لا تُدار، وإنما يتم التقاتل عليها.
اليمن لا تعاني من فقر في المشاريع السياسية أو الخطابات أو التصورات النظرية للدولة، بل تعاني من فائض مشاريع متشابهة في بنيتها العميقة، ومن تطابق بنيوي يجعلها تدور في المسار نفسه مهما اختلفت شعاراتها، فمعظم المشاريع السياسية القائمة تتقاطع في الآتي:
1️⃣ بنية هرمية مغلقة، مركزية القرار، سواء كانت زعامية، عسكرية، أو عقائدية، مع تقديس “القائد/الرمز”، وتغييب المؤسسة بوصفها كيانًا مستقلًا عن الأشخاص.
2️⃣ رؤية مختزلة وقاصرة للعلاقة بين القوة والمال
حيث يُنظر إلى الاقتصاد بوصفه تفصيلًا تقنيًا تابعًا للسلطة، لا بوصفه أساس بناء الدولة ومصدر شرعيتها واستدامتها.
3 عقلية ثورية دائمة، فهي مشاريع تعيش على خطاب الثورة والهدم أكثر من الإنتاج، وتستمد شرعيتها من “الاستثناء” لا من القانون، ومن ظروف المرحلة لا من العقد الاجتماعي.
4 الحديث باسم الشعب دون لغة اقتصاد
فلا يظهر في أي مشروع سؤال جوهري حول: كيف تُنتج الثروة؟ أو كيف تُوزع؟
كيف يُحمى الفرد ليبدع خارج شبكة الولاءات؟
وعند الانتقال من الخطاب إلى الواقع التنفيذي، تتلاقى هذه المشاريع عند نقاط قاتلة:
🔸 ️اقتصاد بلا إنتاج :- إذ تتعامل مع المال والاقتصاد كغنيمة لا كمنظومة بناء، وترى أن الشرعية هنا تُستمد من التعبئة والسيطرة لا من الأداء الاقتصادي وحياد الدولة.
إلا أن الثورة بلا اقتصاد ليست إلا إدارة فقر وسوق حرب، والسلطة بلا إنتاج لا تملك إلا الجباية، والجباية تقتل المجتمع ببطء لأنها تفصل السلطة عن المجتمع المنتج.
🔸 غياب الدولة المؤسسية: فجميعها ترفع شعار “الدولة القادمة”، لكنها عمليًا تعيش على غياب الدولة وتعمل على نقيضها.
تُختزل الدولة في قائد، أو جماعة، أو مركز نفوذ، بلا قواعد ثابتة، ولا عقد اجتماعي، ولا حياد للمؤسسات، والنتيجة أن كل مشروع يعد بالدولة، ثم يبدأ بتفكيكها فور اقترابه من السلطة.
🔸 فرد بلا حرية ولا إبداع الفرد في حسابات هذه المشاريع لا يظهر إلا كوقود:
[مقاتل – تابع – رقم في الكشوفات– جمهور في المظاهرات– صوت انتخابي]
بينما الإبداع يحتاج فردًا آمنًا، مستقلًا، قادرًا على التخطيط والمخاطرة، لا فردًا تابعًا أو وظيفيًا.
"الصراع بتوصيف أدق"
ليس صراعًا بين مشاريع متناقضة، بل بين نسخ متشابهة تتقاتل على الفراغ ذاته، في غياب تام للبنية التي تجعل أي مشروع قابلًا للحياة: " لا اقتصاد منتج، ولا دولة محايدة، ولا فرد قادر على الإبداع" .
وفقاً لهذا :
☑ لا دولة بلا طبقة وسطى، ولا طبقة وسطى بلا اقتصاد حقيقي، ولا استقلال قرار مع اقتصاد لا يُنتج، بل يكتفي بإعادة توزيع الفقر.
☑ لا استمرارية دولة بلا مؤسسات، ولا مؤسسات بلا قواعد ثابتة، ومع غياب القواعد يتحول الحكم إلى صراع دائم، وتصبح الدولة سلطة تُستهلك وتستهلك نفسها.
○ لا مستقبل بلا ابداع، ولا ابداع بدون فرد حر، وبدون فرد منتج لا يتكوّن مجتمع، بل يُستنزف الإنسان أو يُصبح تابعا وخانعا.
وعلية بدون حياد الدولة، لا نهاية للصراع، وفي غياب الاقتصاد المنتج، والمؤسسة المحايدة، والفرد القادر على الخروج من الجماعة، كانت النتيجة منطقية:
■ لا أحد ينتصر ولا أحد يُهزم، لأن الجميع عالق في حلقة مغلقة:
مكاسب عسكرية = خسارة دولة = صراع جديد.
■ لا يوجد انتصار لأنها بلا مشروع دولة، ولا توجد هزيمة لأنه لا توجد دولة تُهزم أصلًا.
كل ما يحدث هو حرب استنزاف بلا حسم، وسياسة إدارة إنهيار، ولي مشروع خروج منها.
فالـ“منتصر” عاجز عن التحول إلى دولة، و“المهزوم” قادر دائمًا على تعطيل المنتصر،
وهكذا يستمر الصراع في إعادة إنتاج نفسه بأسماء جديدة وبنية واحدة.
إن ما يجري ليس توازن قوى، بل توازن عجز: "الجميع أقوياء بما يكفي لمنع الآخر من الانتصار، وضعفاء بما يكفي لعدم بناء دولة".
اليمن لا تُستنزف لأنها ضعيفة، بل لأنها مُصمَّمة سياسيًا على الاستنزاف؛ حيث يصبح الصراع بديلًا عن السياسة، والثورة بديلًا عن الدولة، والولاء بديلًا عن الكفاءة.
إن أردنا كسر هذه الدائرة، فالسؤال الأن لم يعد: من سيحكم؟ وإنما :-
" هل نسمح بوجود دولة لا تُختزل في أحد"؟
و هذا ليس صعباً أبداً، لنبدأ من دولة تبدأ بالقانون قبل البندقية، و من حياد مالي واقتصاد خدمات قبل الشعارات والسياسة،
و ضمان دخل مستقل للفرد، قبل ريع الجماعة أو الحزب .