الأسرة كمنظومة أخلاقية تشاركية: من مفهوم الملكية إلى مفهوم المسؤولية
في قلب كل مجتمع ينبض حيًّا، تكمن الأسرة، لا باعتبارها مجرد وحدة بيولوجية أو تنظيم إداري للرعاية والتكاثر، بل كمنظومة أخلاقية شديدة التعقيد، يتشكّل داخلها وعي الأفراد وتُصاغ بها القيم التي ستحكم نظرتهم للعالم، وللآخر، ولأنفسهم. في اليمن، كما في العديد من المجتمعات التقليدية، تُبنى الأسرة غالبًا على أساس غير معلن من التراتبية الصارمة: الأب هو صاحب القرار، الأم تنفذ وتُطوّع، والأبناء مُلزمون بالطاعة. هذه البنية، وإن كانت تبدو مألوفة وطبيعية لكثيرين، تُنتج، في العمق، مفهومًا خطيرًا للعلاقات داخل الأسرة: الملكية.
أن يملك الأب القرار المطلق، يعني أنه لا يُحاسَب، ولا يُشارك. أن تُملى على الأم أدوارها باسم العرف أو الدين دون تشاور، يعني أنها ليست شريكة كاملة، بل منفذة. أن يُربّى الطفل على الطاعة العمياء، يعني تجريده من صوته ومن مسؤوليته الذاتية. وهكذا، تنمو الأسرة في إطار من التسلط المغلف بالحب، والهيمنة المغلفة بالرعاية، لتُنتج أفرادًا إما خانعين أو متمردين، غير قادرين على خوض علاقات قائمة على الندية والتفاهم والمشاركة.
في ظل هذه البنية، يُعاد إنتاج مشكلات التعايش المجتمعي. فالفرد الذي لم يُسمح له بأن يُعبّر عن رأيه داخل أسرته، غالبًا لن يحترم آراء الآخرين خارجه. ومن لم يتربَّ على مفهوم الشراكة، لن يفهم التعدد إلا كتهديد. ومن لم يُمنح فرصة اتخاذ القرار في بيته، سيسعى لفرض قراراته على من هم دونه حين تسنح له الفرصة. وبذلك، تصبح الأسرة، بدلًا من أن تكون مدرسة للتعايش، نواة للتسلط وإعادة إنتاج الإقصاء والتعصب.
لكن، ماذا لو أعدنا تخيُّل الأسرة؟ لا كوحدة تُدار بمنطق الملكية، بل كمنظومة أخلاقية تشاركية، تُبنى على المسؤولية المتبادلة، لا على التراتب السلطوي؟ ماذا لو اعتبرنا أن كل فرد في الأسرة، من الأكبر إلى الأصغر، يملك حقًّا في التعبير، ودورًا في اتخاذ القرار، ومسؤولية في بناء بيئة أخلاقية مُحبة ومنصفة؟
في هذا النموذج التشاركي، لا تُلغى الأدوار، بل يُعاد توزيعها بناءً على الكفاءة والاحترام المتبادل. الأب لا يعود القائد الأوحد، بل يصبح نموذجًا في تحمل المسؤولية والاستماع والتشاور. الأم لا تُختزل في الرعاية، بل تكون شريكة كاملة في التربية والقرار. أما الأبناء، فلا يُربّون على الطاعة العمياء، بل على التفكير النقدي، والمساءلة، والمبادرة.
التربية في هذه المنظومة لا تتم عبر الأوامر والنواهي فقط، بل من خلال الممارسة اليومية للقيم. فبدلًا من أن يُقال للطفل: "احترم رأي غيرك"، يُسمح له بأن يعبّر عن رأيه داخل البيت ويُستمع إليه. وبدلًا من أن يُقال له: "كن منصفًا مع إخوتك"، يُمارس الوالدان العدالة في توزيع الاهتمام والفرص. هكذا، لا تُصبح الأخلاق مجموعة من النصوص، بل بيئة تُعاش. ويتحول البيت إلى أول مختبر للتعايش، يتعلّم فيه الطفل أن الاختلاف لا يعني التهديد، بل التنوع. وأن الحوار ليس ضعفًا، بل قوة. وأن المسؤولية لا تعني الانصياع، بل المساهمة.
التحوّل من مفهوم الملكية إلى المسؤولية داخل الأسرة ليس نظريًا فقط، بل عملي بامتياز. إذ يمكن في كل بيت اتخاذ خطوات بسيطة لكنها جوهرية: تخصيص وقت دوري للتشاور العائلي، حيث يُطرح فيه جدول أعمال البيت، وتُناقش فيه القرارات الصغيرة والكبيرة بمشاركة الجميع. منح الأطفال مساحة ليقرروا في أمورهم الخاصة ما داموا قادرين على تحمّل نتائج قراراتهم. تشجيع الأم على لعب أدوار خارج الصورة النمطية التقليدية، سواء في العمل أو في اتخاذ القرار العائلي. والاعتراف بأن الأب ليس معصومًا، وأن الاعتذار منه أمام الأبناء حين يخطئ، هو درس أخلاقي لا يُنسى.
هذه الممارسات، البسيطة في ظاهرها، تخلق بيئة جديدة، فيها الاحترام لا يُفرض بل يُكتسب، والسلطة لا تُحتكر بل تُوزّع، والتعايش لا يُعلَّم كدرس مدرسي، بل يُمارَس كأسلوب حياة.
في المقابل، يمكننا أن نتأمل في آثار غياب هذه المنظومة التشاركية داخل الأسرة اليمنية. حالات العنف الأسري، الشعور المزمن بالقهر لدى الأطفال، النفور من الحوار، التسلط داخل العمل والمجتمع، كلها امتدادات لبنية أسرية اختارت السلطة بدل المسؤولية، والطاعة بدل التفاهم، والتلقين بدل التربية بالقيم. ليس المقصود هنا شيطنة الأسرة اليمنية، بل الدعوة لإعادة النظر في بنيتها، وتجاوز ما ورثناه من أنماط لا تخدم الإنسان في تطوره الأخلاقي والإنساني.
إننا نعيش في زمن أصبح فيه التعايش ضرورة وجودية، لا مجرد فضيلة. ولم يعد ممكنًا بناء مجتمعات متماسكة بأفراد لا يعرفون كيف يتحاورون، أو لا يتحملون مسؤولية أفعالهم، أو يخشون الاختلاف. من هنا، تبدأ أهمية إعادة تعريف الأسرة، ليس كملكية، بل كمسؤولية. لا كسلطة، بل كشراكة. ولا كحصن للانغلاق، بل كبوابة أولى نحو عالم متعدد، غني، ومليء بالاختلافات الخلّاقة.
تتحمل النُخب الثقافية، والإعلام، وحتى السياسات التربوية، دورًا محوريًا في ترسيخ هذا التحول. لكن البداية الحقيقية تظل في البيوت. في اللحظة التي يقرر فيها أب أن يسأل ابنه عن رأيه، لا أن يُملي عليه، وأم تُربي ابنتها على الثقة لا على الخوف، وأخ يستمع إلى أخته لا أن يحقر من رأيها، تبدأ ملامح مجتمع جديد في التشكل.
الأسرة ليست مُلكًا لأحد، بل مسؤولية جماعية. وحين نُعيد بناءها على هذا الأساس، يمكن أن تصبح النواة الحقيقية لمجتمع يمني أكثر تسامحًا، وعدلًا، وتوازنًا. مجتمع لا يخاف من الاختلاف، بل يحتضنه. ولا يُقصي من يخالفه، بل يتعلم منه. هكذا فقط، يمكن أن نأمل في مستقبل يعيش فيه اليمني لا فقط آمنًا، بل حرًّا ومسؤولًا ومزدهرًا.