لا حوار تحت ظلال البنادق
مرَّت التجارب الوطنية في اليمن بفشل متكرر نتيجة هيمنة السلاح على المشهد السياسي . تاريخنا الحديث يشهد أن كل حوار وطني لا يلبث أن يُقهر بالقوة، ففي الشمال كما في الجنوب، كان السلاح هو الفيصل بعد كل محاولة للحوار .
الحوارات السياسية في اليمن غالبًا ما كانت مقدمة لحروب أو نتاجًا لها ، فما هو معلوم ان الأفكار والمبادرات السياسية تبدأ أصواتها قوية وصاخبة ، لكنها سرعان ما تخفت وتزول أمام سطوة وجبروت رصاصات البنادق ودانات المدافع .
حوارات الجمهوريين والملكيين غالبًا ما انتهت بالعودة إلى السلاح، وكذلك الحال في الجنوب أثناء ثورة أكتوبر أو في زمن الدولة الوطنية ، ففي الحالتين أفضت تلك الحوارات إلى انقسام حاد في المجتمع وإلى حروب أهلية .
في الأزمة السياسية ١٩٩٣- ١٩٩٤م ، حين أجرت القوى الوطنية حوارًا في عدن، صدق السلاح على نصوص وثيقة العهد والاتفاق ، فانهارت المبادئ الوطنية وتحولت إلى كارثة حرب ١٩٩٤م ، وما زالت نتائجها المأساوية ماثلة .
تكرر المشهد بعدها في صنعاء حين انقلبت المليشيات المسلحة الحوثية على مضامين مؤتمر الحوار الوطني سبتمبر ٢٠١٤م ، مجهضة بذلك لآمال اليمنيين في دولة مدنية حديثة تسودها العدالة والمساواة والحرية والحياة الكريمة .
اليوم، ومع الحديث عن حوارات الجنوبيين في العاصمة السعودية الرياض أو بين الشرعية والانقلابيين، لا يمكن توقع نجاح أي حوار ما دامت هناك سيطرة مسلحة على الأرض ، وغياب البيئة الآمنة والمتساوية .
الخلاصة الواضحة هي أن أي حديث عن مستقبل سياسي لليمن هو ضرب من العبث ما دام السلاح هو لغة الحوار الأولى والأخيرة .
وعلى هذا الأساس يجب أن يسبق أي مسار سياسي نزع السلاح كليًا، وخلق بيئة مستقرة وضمانات حقيقية تكافئ فيه الفرص بين جميع الأطراف . كما يجب أن يكون التنفيذ الكامل والشامل لنتائج أي حوار شرطًا غير قابل للتفاوض، وخاليًا من أي ضغوط أو تهديدات مسلحة.
فالحوار تحت ظلال البنادق هو حوار طرشان ، ومصيره الفشل الذريع، حتى مع حُسن النوايا . لقد دفعت الأجيال اليمنية ثمنًا باهظًا لهذا الأرث المنهك والقاتل لمقدرات البلد وشعبه .
حان الوقت لقطع هذه الدورة المأساوية والسير نحو مستقبل يعتمد فيه اليمنيون على قوة الكلمة وإرادتهم الحرة، لبناء وطن يضمن الحياة بكرامة وأمان لكل مواطن .