هرمنا في تهجئة الوطن ..
هرمنا وشارفنا على الستينَ ، وما زال بيننا مَن يَنتحلُ أسماءنا، ويُفكِّر بالوكالة عنَّا، ومن يُقرِّر بدلًا منا، ويُعلِّمنا من تجاربه الفاشلة كيف نمشي وإلى أين نسير!
ما هذا الإدمان المُزمن على الاستبداد؟!وما هذه اللهجة الشمولية المتعالية؟! وأي لهجة تلك التي تفرض نفسها بكل شمولية، لا تعرف للأنين صدًى، ولا للقول كلمة؟
هم من يَخطُّونَ الحروف ويضعون النقاط، ويُصِرُّونَ على أن نقرأ فقط ، فنُصبح ملزمين بالقراءة والصمت، دون تفكيرٍ أو نقاش .
هم الوطنيُّون الحصريُّون، وسواهم خونةً وناقصو هويةٍ . هم الوطنُ نفسُه، وهم وحدهم مَن يُعرِّفونه، ويُحدِّدون مقوِّمات الانتماء إليه.
يتحدثون كثيرًا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان حين يكونون في المعارضة، وعندما تتسنَّى لهم السلطة يهدرون كل تلك القيم ، بل يذبحونها بمدية "الوطنية" الزائفة، ويهيلون عليها التراب، بحجة حماية الوطن من أهله.
لا تفسير لمحبة الوطن إلا ما يمنحوننا إياه، ولا حلَّ لقضية أو مشكلة سوى ما يتفضَّلون به علينا، وكأننا قطيع أغنام، أو خرافٌ تُقدَّم أضاحيَ لهم، قرابينَ لآلهةٍ وهميَّة، تَذرُّ رمادَ الطاعة على مذبح الهيمنة، نُذورًا لأوهام الغفران.
فهل نبقى ننتظر السبعينَ والثمانين ، ونحن نحمل أوطانًا مُعلَّقة في رقابنا مثل أجراس الخنوع؟ أم آن الأوان لنستردَّ حقَّنا في أن نكون، لا في أن نُؤمر فحسب؛ لنصنع وطنًا من أحلامنا وامانينا ، لا من شعاراتهم الجوفاء؟
هل يبقى لنا أملٌ في أن نكون نحن من يختار، نحن من يقرر، نحن من يكتب؟ أم سنظل أسرى لتجارب الآخرين، ولسُكوتنا ؟
إنَّ الوطن الحق ليس مزرعةً لطغاة، ولا سجنًا لأحراره. الوطن هو أن نعيش فيه ومن أجله، لا أن نعيش له أو نُهلِكَ في سبيله .