مساعدات.. لمعالجات مستدامة !
اهدأوا.. واتركوا للحكومة مساحة للعمل، فإن عجزت عن أداء مهامها، فلا لوم على أحد إن تظاهر أو احتج .
أما أن نقف في وجهها ونعترض وجودها بكل السبل، فذلك أمر لا يقبله عاقل .
يكفي ما تعرضت له الحكومات السابقة، وكيف حوصرت في هضبة المعاشيق، بل إن بعض الوزراء لم يتمكنوا من مزاولة مهامهم في عدن بشكل طبيعي؛ فباستثناء خمسة أو سبعة وزراء قُدِّر لهم البقاء في مقرات وزاراتهم، بقي الآخرون عالقين في الرياض أو المهرة أو قصر معاشيق.
الحكومة والرئاسة تحظيان بدعم من السعودية ودول الخليج وأوروبا وأمريكا والصين، وعلى هذا الأساس، يجب تسخير الإمكانات والجهود لمعالجة المشكلات الاقتصادية والخدمية والأمنية والعسكرية والإدارية.
المشاهد على أرض الواقع تشير إلى أن السعودية تقدم مساعدات مالية، لكنها تُبدد غالبًا دون أن نلمس تحسنًا دائمًا في الخدمات أو المرتبات أو اسعار الغذاء والدواء ، رغم تلك الودائع النقدية للبنك المركزي لدعم استقرار العملة الوطنية.
هذه المساعدات، التي وصلت إلى 20 مليار دولار خلال الفترة من العام 2011م، ذهبت أدراج الرياح دون أن يكون أثرها مستدامًا في الحياة اليومية . فمعظمها بدد بلا محاولة جادة لإيجاد حل جذري للمشكلات التي تؤرق السكان والحكومة معًا.
صحيح أن خدمة الكهرباء تحسنت وشعر الناس بالتفاؤل، لكننا لا نلمس حلًا جذريًا لأزمة الطاقة. مما يستوجب توجيه جهود الحكومة وإمكانات الأشقاء نحو الإعلان عن مشروع محطة غازية في عدن بقدرة إنتاجية ألف ميجا واط كمرحلة أولى إسعافية .
كما لا بد من تبني مشروعات حيوية، مثل تطوير وتحديث ميناء عدن، وتشغيل المصافي، إضافة إلى مواجهة مشكلات التعليم والصحة، وتعزيز الاستثمار الناجع الذي يوفر فرص عمل ويلبي احتياج السوق المحلي، أو إنشاء صناديق مشتركة لتمويل مشروعات واعدة في قطاعات مختلفة.
مؤخرًا، تنامى إلى مسامعنا وقرأنا أخبارًا سارة تشير إلى رؤية سعودية بالتنسيق مع الحكومة اليمنية لتفعيل ميناء عدن كمركز لوجستي عالمي، بالاعتماد على استثمارات صينية مباشرة .
وهناك مفاوضات برعاية السعودية لتحديث محطة الحاويات وتوسيع القناة الملاحية، من قبل شركات صينية عملاقة مثل (CHEC) و(COSCO). ويهدف المشروع إلى رفع كفاءة الميناء بما يؤهله لاستيعاب خمسة ملايين حاوية في السنة، بدلًا من مليون حاوية سنويًا حاليًا.
كما تشمل الخطط تعميق الغاطس إلى 18 مترًا لاستقبال سفن الجيل الجديد (Ultra Large Container Vessels)، وهو ما يفتقده الميناء حاليًا نتيجة غياب الاستثمار الحقيقي. ويستهدف المشروع الاستحواذ على 25% من حركة الترانزيت في منطقة البحر الأحمر وخليج عدن، والتي تعبر من خلالها 21,000 سفينة سنويًا.
هذه أخبار جيدة، وفي حال صدقت النوايا، يمكنها المساهمة في معالجة وضعية الميناء وانتشاله من حالته الراهنة.
نعم، نحن بحاجة ملحة وعاجلة إلى معالجة العديد من المشكلات المؤرقة للاقتصاد والاستثمار والخدمات والمرتبات والمؤسسات .
وفي مقدمة هذه المعالجات، إعادة الاعتبار لمؤسسات وهيئات الدولة الإيرادية والخدمية، مثل هيئة البريد ومؤسسة الاتصالات، بما يمكنها من استعادة نشاطها كجهات رافدة لخزينة الدولة، وضبط موارد الدولة من الضرائب والجمارك، وتحسين أداء المالية المركزية.
نحتاج وبشكل ملح وعاجل إلى ضم جميع التشكيلات العسكرية والأمنية في إطار وزارتي الدفاع والداخلية، وحصرها وإنهاء تعدد الوظائف والولاءات، وجعلها تحت سيطرة الدولة اليمنية.
وإلى مساعدة حقيقية تفضي إلى استقرار الأوضاع الأمنية والعسكرية والاقتصادية والخدمية. ففي قطاعات مهمة وأساسية مثل التعليم والصحة، لا بد من معالجات جذرية تنهي المشكلات الناتجة عن الحرب وغياب الدولة، من خلال تمويل برامج صحية وتعليمية ودعم المنشآت الحيوية بحاجتها الضرورية، لتمكينها من مواجهة تلك المشكلات بأدوات وحلول جذرية ومستدامة.
إن الطريق إلى الاستقرار والتنمية لا يبدأ بتعطيل مؤسسات الدولة أو بالمزيد من الأزمات ، بل بتهيئة البيئة المناسبة للعمل والإنتاج، وتعزيز الثقة بين المواطن والحكومة عبر تحقيق إنجازات ملموسة على الأرض.
لقد آن الأوان لأن تتحول الوعود إلى أفعال، والمساعدات إلى استثمارات استراتيجية تعيد بناء ما دمرته الحرب، وتضع اليمن على أعتاب مرحلة جديدة من البناء والاستقرار .