‏قراءة في رؤية التجمع اليمني للإصلاح لحل القضية الجنوبية (2013)

Author Icon رشا جرهوم

مارس 3, 2026

قدّم التجمع اليمني للإصلاح ورقته حول “القضية الجنوبية: الحلول والضمانات” ضمن أعمال الحوار الوطني، واضعاً سقف الحل في إطار الحفاظ على كيان الدولة واستعادة “المضامين السلمية للوحدة”، بما “يضع الجنوب في مكانه الوطني الطبيعي كشريك في السلطة والثروة”. ورغم اللغة التصالحية، تنطلق الرؤية من فرضية أن الإشكال يكمن في اختلال التطبيق لا في طبيعة العلاقة نفسها، وأن المطلوب إعادة إدماج الجنوب داخل معادلة وطنية محسومة، لا إعادة تعريف أسسها أو فتح نقاش حول خياراتها.

ركّزت الرؤية على ملفات الأراضي، والإقصاء الوظيفي، والتقاعد القسري، والخصخصة، ونهب الممتلكات، إضافة إلى البعد الرمزي والاعتبار المعنوي. هذه مطالب حقيقية عبّر عنها الجنوبيون، غير أن إدراجها جاء في سياق يختزل القضية في تجاوزات قابلة للتصحيح الإداري والقانوني، لا أزمة عقد سياسي. في المقابل، غابت معالجة مسؤولية حرب 1994 بوصفها لحظة غيّرت طبيعة الوحدة بالقوة؛ فلا توصيف قانونياً لما جرى، ولا آليات مساءلة للانتهاكات، ولا إطار عدالة انتقالية متكامل يقوم على كشف الحقيقة والاعتراف والمساءلة وضمانات عدم التكرار. كما لم تُطرح معالجة عميقة لإعادة التوازن في القرار السيادي، أو للاعتراف بالهوية السياسية وطبيعة الوحدة الاندماجية واختلالها، أو لإدارة الموارد السيادية بعدالة. وبدون اعتراف مؤسسي بالمسؤولية، بدت المعالجة تصحيحاً داخل دولة قائمة لا مراجعة لمسار سياسي تحوّل بعد الحرب.

في الحوكمة، يقترح التصور دولة اتحادية متعددة الأقاليم بنظام برلماني ومجلس اتحاد إلى جانب مجلس النواب. إلا أن احتفاظ الاتحاد بالملفات السيادية والاقتصادية الكبرى—الدفاع، الخارجية، النفط والغاز، العملة، الضرائب—وخضوع تفويض الصلاحيات للتشريع الاتحادي، يرسّخ فيدرالية مركزية أقرب إلى تطوير اللامركزية القائمة من إعادة تأسيس لمعادلة السيادة. كما أن معايير تحديد الأقاليم (الاندماج الوطني، الترابط الجغرافي، التوازن السكاني، المقومات الاقتصادية) مشروعة تقنياً، لكنها أغفلت البعد التأسيسي للقضية؛ فلا ضمانات تمنع اختلالاً بنيوياً في التمثيل، ولا نصوص تحصّن عائدات الموارد أو تشترط موافقة الأقاليم على تعديل صلاحياتها.

أما اعتماد القائمة النسبية- دون تحديد كونها مفتوحة أم مغلقة- فيعزز دور الأحزاب الوطنية ذات البنية المركزية؛ فإن كانت مغلقة، تُكرّس سلطة القيادات الحزبية في ترتيب المرشحين، وإن كانت مفتوحة لا تعالج بالضرورة فجوة تمثيل الجنوب، خاصة مع قيود قانونية تحد من نشوء أطر سياسية جنوبية تدعو لاستعادة الدولة.

طرحت الرؤية ضمانات، لكنها أقرب إلى تعهدات عامة منها إلى تحصينات دستورية ملزمة؛ فلا اشتراط لموافقة الأقاليم على تعديل صلاحياتها، ولا حماية من هيمنة عددية دائمة، ولا آليات حاسمة لفض النزاعات الاتحادية. انعكس كثير من مقترحاتها في مخرجات الحوار- خيار الدولة الاتحادية، النظام البرلماني النسبي، مجلس الاتحاد، معالجة الأراضي والمبعدين، مبادئ الشراكة- غير أن ذلك لم يحسم إشكال طبيعة الشراكة ومصدر السيادة، بل رسّخ الاتحادية متعددة الأقاليم كإطار نهائي ظل محل جدل في الجنوب.

الدروس المستفادة: لا ينبغي القفز إلى تفاصيل الحوكمة قبل حسم طبيعة العلاقة السياسية ومصدر الشرعية؛ وأي تسوية قادمة تحتاج ضمانات دستورية ملزمة وآليات عدالة انتقالية واضحة، وترتيبات تمثيلية تحمي التوازن من المعادلات العددية الصرفة، مع صون حق النقاش الحر دون سقوف مسبقة. فالتحصين القانوني والاعتراف الصريح شرطا استدامة أي تسوية. (مرفق عدد من الصفحات للرؤية المقدمة كمثال).

زر الذهاب إلى الأعلى