دول الخليج وإدارة العاصفة: كيف صنعت معادلة النصر؟
أعتادت دول الشرق الأوسط في لحظات الصراع الكبرى غالبًا ما تنقسم الدول بين طرفٍ منخرط في المواجهة، وآخر عاجز عن التأثير، غير أن ما يحدث اليوم يكشف عن مسار ثالث أكثر تعقيدًا ونضجًا: إدارة الصراع دون الانجرار إليه.
هنا تحديدًا يبرز الدور المتنامي لدول الخليج العربي، التي تبدو وكأنها تمضي بهدوء وثبات في طريقٍ مختلف، طريق إدارة المخاطر لا التصادم معها.
ففي واحدة من أكثر اللحظات اضطرابًا في تاريخ المنطقة الحديث، تقف دول الخليج في موقع شديد الحساسية؛ جغرافيًا في مقدمة خطوط النار، واقتصاديًا في قلب النظام العالمي للطاقة، وسياسيًا في مركز إدارة التوازنات الإقليمية، ومع ذلك، فإن الهدوء الظاهر في إدارة المشهد المعقد ليس حياد عاجز أو سلبي، وإنما يعكس نمطًا متقدمًا من الحياد الواعي أو الاستراتيجي القادر على حماية المصالح وتوسيع هامش الحركة في آن واحد.
لقد اعتادت المنطقة خلال العقود الماضية على أن تتحول الحروب الكبرى إلى ساحات استنزاف مفتوحة، تتداخل فيها حسابات القوى الإقليمية والدولية، وغالبًا ما يدفع العرب كلفة هذه الصراعات دون أن يكونوا قادرين على صياغة نتائجها.
غير أن المشهد الحالي يبدو مختلفًا إلى حدٍ ما؛ إذ تسعى دول الخليج إلى إعادة تعريف موقعها داخل معادلة الصراع، ليس كطرفٍ تابع، بل كقوة قادرة على إدارة هذة التوازنات المعقدة.
في جهة، يتعامل هذا الموقف بحذر مع السياسات الإيرانية في المنطقة وما تحمله من أضرار استراتيجية وما خلفية من توترات مزمنة، ومن جهة أخرى، يرفض الانجرار إلى منطق التصعيد الإسرائيلي المفتوح الذي يهدد بإشعال المنطقة بأكملها.
وفي الوقت ذاته، يعيد أو سيعيد طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الترتيبات الأمنية الأمريكية في الشرق الأوسط، ويحدد موقفة منها بعد الحرب، والتي لم تعد تحظى بذات اليقين الذي كانت تتمتع به في العقود الماضية.
بهذا المعنى، فإن ما نشهده ليس مجرد تفاعل مع أزمة عابرة، بل إعادة تموضع هادئة في بنية النظام الإقليمي، وهي عملية معقدة تتطلب قدرًا كبيرًا من الانضباط السياسي، والقدرة على امتصاص الضغوط، وتجنب ردود الفعل الانفعالية التي لطالما دفعت المنطقة إلى حروبٍ طويلة ومكلفة.
في هذا السياق، يصبح الهدوء الخليجي ليس علامة تردد، بل تعبيرًا عن إدراك عميق لطبيعة اللحظة التاريخية، فالصراعات الكبرى لا تُدار بالخطابات المرتفعة، ولا تُحسم عبر منصات التواصل الاجتماعي، بل من خلال حسابات دقيقة لموازين القوة والمصلحة.
وإذا كانت الحرب الدائرة اليوم تبدو في ظاهرها مواجهة بين أطراف محددة، فإن حقيقتها أوسع من ذلك بكثير، فهي في جوهرها صراع على شكل إدارة الإقليم القادم: من يحدد قواعده، ومن يملك القدرة على التأثير في مساراته.
وعلية: في مثل هذه اللحظات، يصبح الحفاظ على التماسك العربي، وتعزيز التنسيق الخليجي، شرطًا أساسيًا لعبور المرحلة بأقل الخسائر وأكبر المكاسب الممكنة، فالموقف العربي الموحد و المتوازن قادراً، إذا ما تعزز وتطور، على تحويل الحياد من موقف دفاعي إلى أداة قوة فاعلة وإستراتيجية.
ربما غابت عن خطابنا السياسي خلال السنوات الماضية مفردة “الوطن العربي” تحت وطأة الانقسامات والصراعات، غير أن التحولات الجارية تفتح الباب أمام إمكانية إنبعاثها مجددا من الخليج، لا كشعار عاطفي، بل كضرورة استراتيجية تفرضها تعقيدات العالم الجديد.
لقد أثبت الأسبوع الأول من هذه المواجهة – وهو عادة الأصعب في أي صراع – أن المنطقة قادرة على تجنب الانزلاق الفوري إلى الفوضى الشاملة، وهي بحد ذاتها إشارة مهمة إلى أن إدارة الأزمة قد تكون أكثر نضجًا هذه المرة.
ومع أن الطريق ما يزال طويلًا ومليئًا بالغموض، فإن المؤكد أن الانتصارات الكبرى في السياسة لا تتحقق دائمًا عبر الحروب المباشرة، بل كثيرًا ما تُصنع عبر القدرة على تجنبها، وإدارة تداعياتها بحكمة.
فإذا ما استمرت هذه المقاربة المتزنة، فقد لا يكون المنتصر في هذه الحرب طرفًا عسكريًا بعينه، بل ذلك الطرف القادر على الخروج منها بأقل الخسائر وأكبر قدر من الاستقرار والنفوذ.
وفي هذا السياق، يبدو أن دول الخليج – بهدوئها، وتركيزها، وقدرتها على إدارة المخاطر – تسير بالفعل في طريقٍ قد يقودها إلى نصرٍ من نوعٍ مختلف: نصر الاستقرار والعقلانية في منطقة اعتادت طويلاً على إنتصارات الفوضى.
هذا الهدوء والكثير من التركيز يقوم بإمداد حياد الموقف والمنطقة العربية بالقوة، و يصنع نصر عربي استراتيجي، ضد الخطيئة الإيرانية، وضد العدوان الإسرائيلي، وضد هيمنة أمريكا وحماية قواعدها العسكرية المزعومة، ويجعل الترتيب الأمريكي الجديد للمنطقة في مهب الريح
في الأخير الحرب وإستدارج المنطقة العربية للفوضى والتقسيم، خطة متكاملة ومحكمة ولا تحتاج لتفسير، و كل الأدوار حاضرة بإيقاع دقيق، وبشكل جيد، وضبابية وسوداوية القادم، لا يمكن عبورهما إلا بشرط نجاح و ترقية مستوى التنسيق وتوحيد الموقف العربي .
الخليج اليوم ينتصر وسينتصر لنا وبنا جميعا، و ينتظر الراشدين الماهرين العرب كي يحققوا النصر الكامل معاً، ويقيناً سيكون الأروع في تاريخ منطقتنا، وبمنطقنا وشروطنا نحن .