النخب السياسية وأخطاء الأمس ..
على مدى ثلاثة عقود، برزت أصوات وتعددت مشاربها، كما اختفت أخرى في زحام الأحداث . فمنذ مأساة حرب ١٩٩٤م، تشكلت كيانات ورؤى وأفكار وأجيال جنوبية جديدة . لقد كانت تلك الحرب علامة فاصلة مهدت لانقسامات سياسية واجتماعية عميقة ما زالت تلقي بظلالها حتى اليوم.
كانت ممانعة النظام السابق لأي معالجة جادة للقضية الجنوبية السبب الرئيس في تأزيم الحالة ، حتى بلغت مداها بانفجار شعبي غاضب في الجنوب، وخلقت احتقانًا موازيًا في الشمال أسهم في اندلاع ثورة فبراير ٢٠١١م، التي حملت معها آمال التغيير لكافة اليمنيين.
ارتكبت النخب السياسية خطأ فادحًا بترك القضية الجنوبية مفتوحة بلا حل سياسي واضح ، ودون طليعة سياسية متماسكة . هذا الفراغ فتح الباب أمام خيارات سياسية متعددة نشأت في شارع ساخط ومنفلت بلا ضابط، محركها العصبية والانتماء الضيق .
مع استمرار الممانعة الرسمية للحل السياسي، ترسخت قناعة لدى كثيرين بأنه لا أمل في إصلاح الوحدة، وأن الحل العادل لن يتحقق إلا باستعادة الدولة الجنوبية السابقة، مما أفضى إلى صعود فئة جديدة لا علاقة لها بالسياسة التقليدية، أفرزها الشارع والفراغ الذي تركته الأحزاب بعد أن عجزت عن مواكبة حركة الجماهير.
عندما دعونا أحزاب المعارضة لضبط الغليان، كان الرد أن التظاهرات تجاوزت الأحزاب، وأن "الشارع يمكنه صناعة قادته".
وفي أحد اللقاءات التي جمعتني بقادة أحزاب المشترك في صنعاء ، سألت أحد القادة الجنوبيين عن السبب الذي يحول دون تقدمهم لتلك التظاهرات ، فأجابني بأن الشارع في الجنوب تجاوز حدود النص القانوني المنظِّم للأحزاب وحرية التعبير، مؤكدًا أن الشارع يمكنه صناعة قادته.
وللأمانة، كنت من أشد المعارضين لهذه الفكرة، ورفضت ترك الجماهير بلا طليعة واعية، مدركًا لطبيعة النضال السلمي وما يتطلبه من خطاب وأدوات . وحذرت من خطورة الفراغ وامتلائه بقادة شعبويين أفرزتهم لحظات غاضبة منفعلة، ولا يملكون مشروعًا وطنيًا واضحًا ولا رؤية استراتيجية لدولة المستقبل .
ورغم محاولات النظام تدارك الأمر باتخاذ حزمة من الإجراءات والقرارات، إلا أنها جاءت متأخرة، وأقل بكثير من أن تكون معالجة حقيقية لأزمة وقضية كبرت وتضخمت، ثم انفجرت في وجه الجميع، سلطة ومعارضة على حد سواء.
جاء الربيع العربي ليخلط الأوراق، فالتحق الشمال بالجنوب في ثورة ١١ فبراير، وفي المحصلة قُدِّر للأحزاب احتواء الثورة والتوصل مع النظام إلى حل توافقي، تمخض عنه مؤتمر حوار وطني لمعالجة القضايا التاريخية العالقة، وشاركت فيه مكونات جنوبية، وقاطعته أخرى ترى أن الحل الوحيد هو فك الارتباط.
ومن وجهة نظري الشخصية، أخطأ المكون السياسي الذي قاد الجنوب إلى الوحدة، ثم إلى الحرب التي انتهت بهزيمته الساحقة، ثم بمقاطعته عملية الاستفتاء على الرئيس التوافقي هادي، وكذلك مقاطعته لمؤتمر الحوار الوطني.
مقاطعتهم وضعتهم في مواجهة من يفترض أنهم شركاء المرحلة الانتقالية، بل جعلتهم مساهمين في إسقاط النظام الجديد بسذاجة، فبدلًا من أن يكونوا شركاء في صناعة هذا التحول السياسي، وضعوا أنفسهم في موقف مناهض له، والمؤسف أنهم ظلوا مؤيدين للحوثيين حتى سقطت صنعاء ثم عدن بأيديهم.
كان المأمول من هذا المكون أن يدعم ويساند تلك الثورة الشعبية، تأسيًا بقادة جنوبيين انحازوا لها واعتبروا قيامها بارقة أمل لاستعادة الجمهورية والديمقراطية والوحدة المنشودة .
نعم، هذا المكون وقف على الضد، وفي وقت حرج وحساس كان يُنتظر منه نصرة الثورة ومبادئها، باعتبارها القاسم المشترك لكل أحرار اليمن المطالبين بالتغيير الشامل لبنية النظام السياسي، وبما يحقق مبادئ الحرية والعدالة والمساواة.
لقد اختار قادتهم أن يكونوا مساهمين في إسقاط النظام الجديد، دون أن يدروا أنهم بهذا الخيار يقوون القوى التقليدية السابقة التي لا تزال تحتفظ بقوتها ونفوذها .
المفارقة العجيبة أن الحليف التقليدي لهذا المكون كان المنتصر في حرب ١٩٩٤م، الممانع لحل الدولة الاتحادية؛ ولأن السياسة لا تعرف صداقة أو عداوة دائمة، بل مصلحة قائمة، كان لا بد من تأليفة عجيبة بين بقايا المنتصر والمهزوم في تلك الحرب العبثية، وانتهى الطرفان إلى اتفاق ضمني لإعادة وضع الدولتين اللتين بسببها تحاربا وتخاصما!
لقد نجحت الحرب حيث فشل التاريخ في تفكيك النسيج الاجتماعي اليمني، وأعادت إنتاج انقسامات كانت في طي النسيان . وأثبتت التجربة أن تجاهل القضايا الجوهرية، وفي مقدمتها القضية الجنوبية، يفاقم الأزمات. كما أن ترك الجماهير بلا قيادة واعية يلقي بها في أحضان الشعبوية والانفعالية، منتجًا قيادات ظرفية لا تملك مشروعًا وطنيًا.
إن ما مر به اليمن، جنوبه وشماله، ليس مجرد سلسلة من الأحداث العابرة، بل هو تراكم لسياسات خاطئة وإخفاقات متتالية للنخب الحاكمة والمعارضة على السواء.
الخلاصة: أن مستقبل اليمن لن يكون آمنًا إلا باعتراف صادق بخطايا الماضي ومعالجة جذرية للقضية الجنوبية في إطار وطني جامع لا إقصاء فيه ، وأن تكون هناك صيغ توافقية تحفظ للجميع حقوقهم ومكانتهم .
فلا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح إذا قام على الإقصاء أو التهميش، كما لا يمكن لأي قضية عادلة أن تنتصر بأيدٍ تغذي الصراع وتعمق الانقسام .
فهل تدرك النخب السياسية اليوم حجم المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقها؟ وهل تنتصر للمصلحة العليا لليمن قبل فوات الأوان ؟ تلك هي الأسئلة المصيرية التي ينتظر الشعب اليمني، جنوبًا وشمالًا، إجابة واضحة وصادقة عليها.