دين سماوي واحد وشرائع مختلفة
في الآونة الأخيرة، برزت ظاهرة اعتناق الإسلام في دول أوروبا الغربية وأمريكا، وكذلك في الدول اللاتينية. وإزاء هذا الإقبال الكثيف على الإسلام في هذه المجتمعات، سلطت وسائل الإعلام ومراكز البحوث والدراسات الضوء على الأسباب التي تدفع هذه الفئات الاجتماعية، ومنهم قساوسة وكهنة ورجال دين كبار، إلى اعتناق الإسلام.
يحدث هذا بشكل يومي ومتواصل؛ فبحسب دراسة أمريكية حديثة، يُقبل ما بين 20 إلى 50 ألف أمريكي على اعتناق الإسلام سنويًا، رغم ما في أمريكا ذات الغالبية المسيحية من سطوة لوسائل الإعلام المحرّضة بشكل واضح وممنهج على معاداة الإسلام، إضافة إلى التأثير الكبير للسينما والدراما والخطاب السياسي الموجَّه ضد الإسلام بوصفه مصدرًا للعنف والإرهاب.
شاهدت قبل فترة عضو مجلس نواب سابق، أمريكي محافظ ينتسب إلى الكنيسة الإنجيلية، عاد من زيارة إلى ليبيا، والذي أكد لقناة الجزيرة بصدمته ودهشته مما سمعه في حواراته مع أصدقائه في الشرق الأوسط .
قال إنه اكتشف بعد عمر طويل خطأ تصوراته عن دين الإسلام، ولأول مرة يدرك أن كلمة "المسلم" لا تقتصر على أتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - وفق الصورة النمطية المختزلة في الذاكرة الجمعية الأمريكية والغربية عمومًا ، فالكلمة تعني الاستسلام لرب السماء والخضوع لأوامره ونواهيه، مما يعني أن الإسلام لم يكن دين محمد فحسب، وإنما هو دين كل الأنبياء والرسل، فجميعهم مسلمون موحدون .
وأشار إلى أنه في إحدى الأمسيات قرأ آيات من القرآن الكريم، وعندما أنهى تلاوته صفق له جميع الحاضرين. سألهم: "أتدرون من أين هذه الآيات؟" فأجابوا: "إنها من الإنجيل"، فقال لهم: "لا، ليست من الإنجيل، إنها من سورة مريم العذراء في القرآن"، فصُعق أصدقاؤه .
وأوضح أنه ألَّف كتابًا دعا فيه إلى قراءة صحيحة للقرآن والإنجيل والتوراة بالاعتماد على اللغتين العربية والآرامية؛ لأن تفسير النصوص السماوية بغير لغتيهما المنزلة على الأنبياء والمرسلين أحدث تشوهات كبيرة وعميقة بين عموم المؤمنين بالله ورسله وكتبه.
وأضاف أن هذه القراءة المشوَّهة جعلت أتباع المسيحية ينظرون إلى الإسلام بوصفه يحض على قتل اليهود والنصارى وجهادهم حتى يُسلِموا ويؤدوا الصلاة .
وأكد أن مثل هذه النصوص موجودة أيضًا في الإنجيل والتوراة، بل تحرِّض على ما هو أشد من قتال وسبي النساء والأطفال وحتى الشجر والحجر، وعليه لا ينبغي أخذ النص المقدس بمعزل عن أسباب النزول ودوافعه ووقائعه.
وحذَّر من خطورة التفسيرات الخاطئة للنص المقدس، التي يجب أن تُفسَّر وفق مقتضيات الزمان والمكان وأسباب النزول، لا وفق أغراض سياسية ودنيوية وعصبية لا علاقة لها بدين الله.
وفي حادثة لافتة، قام أحد قساوسة الكنيسة المستنيرين بتكسير تماثيل تمثل مريم العذراء وطفلها المسيح، وذلك يوم الأحد أمام الحاضرين في القداس .
قال كلامًا صادمًا، لكنهم سرعان ما أدركوا رسالته؛ فقد كانت خطبته دعوة إلى إزالة الأفكار الضالة التي شوَّهت الكنيسة المسيحية: "الله واحد في السماء، هو الخالق وهو المعبود، وما دون ذلك هم أناس عاديون، أو عظماء، أو رسل وأنبياء، يأكلون ويشربون وينامون ويموتون، فلا يجوز إطلاق صفات الإله أو الرب عليهم . ومن الجهل أن يستمر المسيحيون في حمل هذا الاعتقاد الخاطئ؛ فمريم العذراء وابنها المسيح ليسا إلهين، ولا ينبغي أن يتضرع المسيحي إلى تمثال من حجر أو ينتظر من لوحة جدارية نفعًا أو فائدة".
وفي لقاء تلفزيوني مع شيخ مسلم، نفى وجود أديان سماوية ثلاثة، مؤكدًا أن دين جميع الأنبياء والرسل هو الإسلام، معتبرًا أن النبي موسى - عليه السلام - دينه الإسلام وشريعته في التوراة، والنبي عيسى - عليه السلام - دينه الإسلام وشريعته في الإنجيل.
فما جاء به الرسولان موسى وعيسى ، عليهما السلام ، يعد امتدادًا لدين الإسلام الذي جاء به كافة الأنبياء والرسل السابقين، منذ نوح وإبراهيم حتى آخر الأنبياء محمد ، صل الله عليه وسلم .
واستشهد بنصوص قرآنية، منها قول إبراهيم: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} (البقرة: 128)، وقول يعقوب لبنيه: {فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (البقرة: 132)، وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا} (آل عمران: 67)، وقول موسى: {إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} (يونس: 84)، وقول عيسى والحواريين: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (آل عمران: 52)، وقول نوح: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (يونس: 72)، وقول سليمان في رسالته لبلقيس: {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} (النمل: 31)، وقوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (المائدة: 48).
وختم الشيخ بالقول إن اليهودية والمسيحية شرائع، أما دين موسى وعيسى فهو الإسلام ، فليست هناك أديان سماوية متعددة، وإنما دين واحد، وإن اختلفت اللغة أو الزمن أو أسماء الرسل؛ جميعهم أنبياء الله دعوا لعبادة رب السماء، وجميعهم مسلمون مؤمنون بإله واحد، خالق البشر جميعًا.
الخلاصة .. لقد كان لمأساة الشعب الفلسطيني في غزة ، وكذا منصات التواصل الاجتماعي ، أثر في هداية العشرات والمئات إلى الإسلام، إذ أقدم الكثيرون على قراءة القرآن بدافع الفضول لمعرفة سر إيمان الفلسطينيين، وكيف أن إيمانهم منحهم تلك القوة والثبات والصبر والشجاعة أمام آلة القتل والدمار، وكيف تحلَّى الرجال والنساء بذلك الإيمان .
الأكثر إدهاشًا أن إسلام هؤلاء كان ذاتيًا وباعثه المعرفة وحدها ، فلقد قُدِّر لي شخصيًا التواصل مع أصدقاء روس، أوضحت لهم أننا نؤمن بالمسيح وبالإنجيل وبأمه مريم العذراء وبمعجزة ولادته، فالخلاف بيننا وبينهم أننا نؤمن بالمسيح عليه السلام وبكتابه الإنجيل، لكننا لا نؤمن بألوهيته ، كما ونؤمن بموسى والتوراة .
وأننا نعتقد أن تحريفًا قد حدث في التوراة والإنجيل، وأن التدخلات البشرية من قِبل القساوسة والكهنة تسببت في وجود أناجيل مختلفة. غير أن المسلم لا يكون مسلمًا إلا بإيمانه بكل الأنبياء والرسل والكتب السماوية.
وترجمت آخر آيتين من سورة البقرة: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ}، وأضفت أن دين الله واحد وكتابه واحد ، وإن اختلفت المراحل والرسل، وأن دين محمد إتمام لدين أسلافه الأنبياء .
تخيلوا كم كانت دهشتهم وحيرتهم مما سمعوه ويقرؤونه في منصات التواصل؟!" فهل يتحمل العرب مسؤولية التقصير في ترجمة القرآن متأخرًا والتعريف بمحتواه إلى البشرية جميعًا ولا يقتصر الأمر على المؤمنين برسالات السماء؟ .
أم أن المشكلة نتاج فهم وإدراك خاطئين من جانب الوعاظ والمختصين بتراث الإسلام، الذين غلبت عليهم القراءة الأحادية المتزمتة بتأويلاتها وتفاسيرها دون سواها من القراءات المختلفة المدحضة لذلك الإرث المثقل بالغلو والتكفير؟ .
هل المسؤولية هنا جمعية ، يتحملها الأفراد والوعاظ والإعلام ومراكز الدراسات والترجمة والحكومات والدول؟ أم نظل نلقي بها على إرث مثقل بالممانعة والرفض لمحاولات الحوار والنقاش مع الآخرين؟
رحم الله الداعية الشيخ أحمد ديدات، فقد فتح بابًا عظيمًا لحوار الآخر، وبفضل هذا العالم الجليل هُدَّت جدران ضخمة من العزلة، وشُيِّدت جسور من التواصل بين الشرق والغرب، بين المسلمين وغير المسلمين.
وما نراه الآن أعُدُّه نتيجة لظاهرة بشرية دينية اسمها "مقارنة الأديان"، وعلامتها البارزة الداعية الجنوب إفريقي الشيخ احمد ديدات وأتباعه المنتشرين في بقاع الأرض، وزادهم المعرفة الدقيقة بالأديان السماوية والوضعية والوثنية .