الفسيل.. ذاكرة الثورة وضمير الجمهورية (٢)

Author Icon محمد علي محسن

مارس 26, 2026

المناضل محمد عبدالله الفسيّل - أحد الجمهوريين القلائل الذين امتدّ بهم العمر إلى وقت قريب - رأى في الجمهورية أحلام طفولته وغايات كفاحه، وقد طالتها مَدَى الغدر والخيانة وشهوة الاستئثار بالسلطة .

في مذكراته ، لم يبكِ لمصيره ، بل صنع من الألم حكاية، ومن الغبار شهادة ميلاد لوطن . رحل الفسيّل كما رحل رفاقه الكبار ، لكنه ترك في عنق اليمن أمانة ؛ أن نقرأ تاريخنا بعيون لا تعرف الانكسار ، وأن نتعلم منه الدرس والعظة إذا ما أردنا بلوغ الأماني الكبيرة ، وأن نستلهم من تجربة حياته معنى العيش بحرية وكرامة .

نعم، لم يكن الفسيّل ممن يمسحون أحذية الحكّام، ولا ممن يقفون على أبوابهم بحثًا عن مكرمة أو جاه أو وظيفة لائقة بهم ، مثلما فعل الكثير ممن استوهبوا مغانم السلطان ، أو أثرت في سلوكهم أطماع النفس الأمارة بالسوء.

ربما لا يعلم الكثيرون أن الفسيّل كان من طليعة المجاهدين الأحرار الذين فروا إلى عدن، وبمعية الأستاذ النعمان - الأب الروحي للثورة - ورفيقه الشهيد المناضل محمد محمود الزبيري - رحمهما الله - فأسسوا أول جمعية للأحرار ، وأول مطبعة "النهضة اليمنية"، وأصدروا أول صحيفة مناهضة لحكم الأئمة في الشمال " صوت اليمن " .
وما زاد من إعجابي بالفسيّل أنه، ورغم خلافاته مع النعمان، ظل يصفه بـ"الأستاذ"، و"زعيم اليمن بحق"، و"صانع القضية اليمنية"، نافيًا ما أورده زميله أحمد الشامي في كتابه " رياح التغيير في اليمن " ؛ فلم يعادِ النعمان أبدًا، وإنما "كان خلافًا على أسلوب قيادة الحركة الوطنية، لا على أهدافها".

وخلافه مع النعمان استخدم فيه لغة راقية، دون أي إساءة أو قدح أو ذم فظّ ، بل أسْهب في ذكر محاسنه، وما نال الاثنان من متاعب ونفي ، مدونًا لحظات إنسانية عاشها برفقة النعمان والزبيري ، ثم السلال ورفاق آخرين، في سجون حجة .

وكان من زملائه في الطفولة والمدرسة الوزير الأسبق القاضي أحمد الشامي - رحمه الله- وقد ذكر في مؤلفه السابق أنه التقى بأول حيوان ناطق ، من باب الدعابة لا الإساءة، إذ إن الفسيل أقدم صديق عرفه في طفولته في حارة الفليحي بصنعاء عند قدوم الشامي من الضالع —وُلد بمدينة الضالع أثناء وجود والده محمد الشامي حاكمًا عليها في الفترة القصيرة (١٩٢٠-١٩٢٨م).

وإزاء كل تلك المزاعم والأخطاء والتحريف والمبالغة الواردة في كتاب القاضي الشامي، كان الفسيّل دحضها بدقة متناهية، وبلغة مهذبة لا تخلو من الدعابة في ثناياها، خاصة حين اعتبر ذاته حيوانًا يكتب ذكرياته . مشيرًا إلى سوء حظه مع السلطات المتسلطة في عهود الملكية أو الجمهورية .

فلم يغفل عن ذكر تفاصيل مثيرة للضحك، رغم قتامة الحالة وفزع اللحظات التي عاشوها بعد فشل ثورة فبراير ١٩٤٨م، وما صاحب تلك الأيام الأولى لسجنهم من جفوة وغلظة وبؤس وألم .

ومع هذه الوضعية ، لم ينسَ ذكر علاقة حب بين ابنة آمر السجن وأحد السجناء الأحرار، ولا تصوير مشهد القبض عليهم هو والنعمان وزملائه في ذمار بعد أن ظنوا، وبكل ثقة، أنهم ماضون في طريقهم لنصرة الثورة في صنعاء. في تلك التفاصيل الصغيرة، يبدو الفسيّل كمن يغزل من أغلال السجن شراعًا للذاكرة.

والفسيّل لم يكن ثائرًا فحسب ، بل شاعرًا بديعًا وصحفيًا في مَستهل حياته، إذ اشتغل في صحف عدنية، بينها الأيام التي عمل بها فترة في عهد مؤسسها الفقيد محمد علي باشراحيل - رحمه الله - إلى جانب كتاباته الإخبارية أو تجلياته التي كان ينشرها باسم مستعار في صحف النهضة أو اليقظة أو الشعب أو سواها من الصحف المتعددة المشارب في تلك الحقبة الاستعمارية المزدهرة بالصحف والأحزاب . كان كمن يزرع كلمات في أرض بركانية، لا يدري أيها سينبت حرية، وأيها سيُحرق .

ومن الذكريات المؤثرة في نفسي، تلك التي عاشها في طفولته في قرية الجراف، وكيف استقبل نبأ وفاة والده بدهشة واستغراب سببا له صدمة نتيجة لعدم فهمه معنى موت والده . وكيف أن الفتاة راعية الغنم التي ولع بها وعدَّها أول أنثى أحبها، حاولت تفسير معنى رحيل والده، وكيف أنها أجهَدَت ذاتها للتخفيف من وطأة الرزية.

كما أن قارئ مذكرات الفسيّل لا بد أن يتوقف بإعجاب أمام ما سطره عن والدته، تلك الأم الريفية التي لم تهن أو يضعفها موت عائلها، إذ أخذت طفليها إلى صنعاء، متحدية الحالة القاهرة .
اشتغلت وغسلت وطبخت دون كلل، ولم تَفْتُر عزيمتها، كانت أبًا وأمًا في آن، فقط كي يتعلم ولداها . رَهَنَتْ وباعت ما لديها من مصوغات بسيطة، واقترضت وسدَّدت ما أخذته لأجل شراء البيت المتواضع في صنعاء .

فحين كان في سجن نافع بحجة، أوفدت شقيقه لزيارته، ومدُّته بقروش فضية " ماريا تريزا " ، وبملابس جديدة غسلت جسده النحيل من سخام السجن وقمل ملابسه الرثة الملتصقة بجلده، والتي ظلت تنهش من دمه فترة من الزمن.

فلم يسمح له بالاقتراب من شقيقه الأكبر أحمد، مكتفيًا بإشارة من يده، قائلًا له: "بلِّغ أمي سلامي، وقل لها تسامحني، وتدعو الله أن يفرج عني ما أنا فيه". يا لهذه الأم الرؤوم والعظيمة، كأنها نزعت عنها صفات الوداعة والأنوثة، فوقفت في وجه العاصفة كالصخرة التي تتكسر عليها الأمواج ، فتخرج منها ينابيع.

الفصول الأولى فيها الكثير من البؤس والحرمان والقسوة، - وأيضًا - من الأحلام والحميمية والعاطفة والأفكار والمواقف التي أعدَّها سببًا في تشكل قناعات الفسيّل، وكانت صقلت شخصيته الفذة، وجعلت منه مناضلًا وطنيًا وقوميًا صلبًا، مؤمنًا بمبادئ الجمهورية العادلة.
ولا يخفي الفسيّل نشأته الزيدية، وكيف قدر له الانتفاضة على ذاك الإرث السائد في تلك البيئة، وهو في سني تعليمه المتوسط.
ومرد هذا التحول سببه القراءة والاطلاع، إذ قدر له الاقتراب من أحد المعلمين في المعهد . فهذا المعلم كان ذكيًا ومجتهدًا ومحبوبًا، ومن خلال دروسه ونقاشاته وقدراته تبدلت قناعات الفسيّل بخصوص ما اعتقده ثابتًا بحق الإمام علي في الولاية، ثم نَجْلَيْه وأسباطه .
وخلص فيها إلى زيف ذلك المعتقد، وأن أمر الولاية من حق عامة الخلق ممن تتوافر فيهم الكفاءة والأهلية. لقد كان الوعي عنده كالنخلة، تنبت من أرض طينية، لكنها تشرب من ماء السماء .

أما قصة هروبه من سجن حجة، وما عاناه خلال تلك الحقبة المظلمة من مشقة، فبينما كنت أقرأ سطور مغامرته، انتابني الفزع، وأحسست وكأني أشاهد فيلم رعب من أفلام هوليوود .
وكذلك قصة رحلته من عدن إلى البيضاء متنكرًا بهوية داعية من سادة البادية، لا لشيء إلا ملاقاة السلطان الرصاص لمعرفة موقفه من الثورة إذا ما قامت.

وبكل تأكيد، القصتان جديرتان بأن تُرويا، وأن تُعالجا دراميًا إذا ما وجدت الدولة، ووجدت وزارة ثقافة وفنون تعنى بتجسيد هذه الملاحم الواقعية التي اجترحها الفسيّل ، أحد رموز الثورة والجمهورية والدولة اليمنية، أو سواه من الرجال الأحرار، أو النساء اللواتي سطرن أروع صور الكفاح.

ولعل والدة صاحب السيرة مجرد أنموذج لعظمة الدور الذي اضطلعت به المرأة في مجتمعنا اليمني المحاط بقيود وموانع مثبطة . ومع كل ذلك، هذه الأم يُحسب لها مواجهة الفقر المدقع والجهل والعزلة . ولولاها، لما تجلَّت شخصية قامة سياسية ونضالية وثقافية ودبلوماسية بحجم الفسيّل .

هكذا يكون الرجال الذين لا تُشترى ذاكرتهم، ولا تُرهن أحلامهم . الفسيل، الذي قضى عمره بين سجون الأئمة وجخود الجمهورية ، ظلّ حرًّا كريح الجبال، لا يسكنه الخوف، ولا تشغله المناصب .

رحم الله المناضل الجسور عبدالله بن محمد الفسيّل ، وأسكنه فسيح جنانه، وجعل سيرته العطرة قصة إلهام لمن تبقى من رجال اليمن الأحرار .

 

زر الذهاب إلى الأعلى