المسؤولون عن تدمير الدولة والنظام الجمهوري

Author Icon الدكتور / عادل الشرجبي

مارس 27, 2026

عرض

إن تدمير الدولة وتشويه النظام الجمهوري عملية بدأت عام 1963، وتحديدًا مع إنعقاد مؤتمر عمران في 2 سبتمبر 1963، وما تلاه من المؤتمرات التي نظمها بتمويل سعودي من أسموا أنفسهم بـ"الجمهوريين المنشقين"، و "القوى الثالثة" (إتحاد القوى الشعبية)، وكثير من شيوخ القبائل، وبعض الإخوان المسلمين

من هم المسؤولون عن تدمير الدولة والنظام الجمهوري؟
يجيب الموالون لعلي عبدالله صالح على السؤال أعلاه بأن ثوار فبراير 2011 هم المسؤولون، ويجيب أخرون بأن المسؤول هو عبد ربه منصور، الذي قال: عادت عمران للجمهورية، وفريق ثالث يقول: أن ياسين سعيد نعمان هو المسؤول عندما قال: إن اجتياح انصار الله (الحو ثيين) لصنعاء هو عملية قيصرية، وسواء قال هؤلاء ما نسب إليهم أو لم يقولوا، وإذا قالوا ما نسب إليهم فعلًا.

فهل يترتب على أقوالهم تلك انهيار دولة وسقوط نظام؟
التفسيرات أعلاه يطلقها نوعان من السياسيين، النوع الأول هم سياسيين طالبي الله، يلقون التهم على الأخر، مهما كانت ساذجة، والفريق الثاني، سياسيون ينتمون للقوى السياسية والاجتماعية التي أسقطت الدولة والنظام الجمهوري، ويتهمون قوى سياسية واجتماعية أخرى بهدف تزييف الوعي السياسي والاجتماعي، وتبرئة القوى السياسية والاجتماعية التي ينتمون إليها.
أود في البداية أن أقرر ثلاث حقائق، تشكل ركائز تحليلية، لتصحيح وعي أولئك السياسيين، وتقديم رؤية، أدعي أنها علمية، لتفسير تدمير (وليس انهيار) الدولة والنظام الجمهوري، وتحديد المسؤولين عن التدمير. أولًا: لا يمكن تدمير الدولة بمجرد إطلاق عبارات.

ثانيًا، لا يستطيع فرد أو أفراد تدمير الدولة، وإنما يدمرها غزو خارجي أو تحالف سياسي واجتماعي داخلي.

ثالثًا، إن تدمير الدولة ليس حدثًا "event" يحدث بين يوم وليلة، بل هو عملية "process" تتم عبر فترة زمنية طويلة نسبيًا، قد تمتد لعقد أو عقود من الزمن على الأقل.
بناءاً على ما تقدم فإن الدولة والنظام الجمهوري لم يُدمرا عندما اجتاح أنصار الله صنعاء في سبتمبر 2014، فما كان لهم أن يجتاحوا صنعاء، لو كانت الدولة قوية والنظام الجمهوري لازال قائمًا وسليمًا. ولم تدمر الدولة بفعل ثورة فبراير (التي أجهضتها الثورة المضادة التي نظمتها القوى التي دمرت الدولة والنظام الجمهوري)، بل على العكس تمامًا، فثورة فبراير شكلت محاولة لإعادة بناء الدولة، وتصحيح التشويه الذي أصاب النظام الجمهوري.

إن تدمير الدولة وتشويه النظام الجمهوري عملية بدأت عام 1963، وتحديدًا مع إنعقاد مؤتمر عمران في 2 سبتمبر 1963، وما تلاه من المؤتمرات التي نظمها بتمويل سعودي من أسموا أنفسهم بـ"الجمهوريين المنشقين"، و "القوى الثالثة" (إتحاد القوى الشعبية)، وكثير من شيوخ القبائل، وبعض الإخوان المسلمين (من أمثال الزنداني، الفسيل، وعبدالملك الطيب"، وبعض البعثيين (على خلفية الخلاف المركزي بين البعث وعبدالناصر بعد انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة)، وبعض كبار ضباط القوات المسلحة، فقرارات ومطالب تلك المؤتمرات تصب في بوتقة تدمير الدولة وتشويه النظام الجمهوري والتخلي عن أهداف ثورة 26 سبتمبر 1962.
في مقدمة المطالب والقرارات التي تمخضت عن تلك المؤتمرات مطالب وقرارات تؤدي إلى إضعاف الجيش وإجهاض تحقيق الهدف الثاني من أهداف ثورة 26 سبتمبر الذي ينص على بناء جيش وطني قوي يحمي البلاد ومكاسب الثورة، فقد طالب رعاة تلك المؤتمرات ومنظميها بانسحاب الجيش المصري من اليمن، وسحب وحدات الجيش اليمني من المناطق الريفية، وتكوين جيش شعبي بقيادة شيوخ القبائل، ورغم ذلك استطاع صغار ضباط القوات المسلحة الحفاظ على قدر من قوة الجيش الجمهوري، مكنتهم من الحفاظ على عاصمة الجمهورية وفك حصار السبعين يومًا، وبعد فك الحصار دبر تحالف هدم الدولة معركة للقضاء على المقاومة الشعبية التي دعمت الجيش في معارك فك حصار السبعين، ثم دبروا ما سمي بأحداث أغسطس وإشعال القتال بين وحدات الجيش بعضها في مواجهة البعض الأخر.
المطلب الثاني تمثل في تشكيل مجلس شورى من شيوخ القبائل، وهو مطلب يدمر النظام الجمهوري من أساسه، فالنظام الجمهوري نظام يحكم فيه الشعب نفسه بنفسه، وليس نظامًا تحكم فيه فئة اجتماعية الشعب، لقد أراد من دمروا الدولة استبدال الأئمة بشيوخ القبائل.

وهذا المطلب يجهض الهدف الأول من أهداف ثورة 26 سبتمبر، الذي ينص على التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاتهما وإقامة حكم جمهوري عادل وإزالة الفوارق بين الطبقات، فقد عمل تحالف هدم الدولة على منح شيوخ القبائل امتيازات أكثر من الامتيازات التي كانت لمسؤولي النظام الإمامي.
صاغ تحالف هدم الدولة دستور خمر والدستور الدائم لعام 1970، الذين حظرا الحزبية، وكبحا الحريات العامة والخاصة، وكرسا استمرار البنية القبلية وهو ما يتعارض مع الهدف الثالث من أهداف ثورة 26 سبتمبر الذي ينص على رفع مستوى الشعب اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا وثقافياً، ويتعارض مع الهدف الرابع المتعلق بإنشاء مجتمع ديمقراطي.
تضمنت مؤتمرات تحالف تدمير الدولة وخطابه وممارساته السياسية تجاه قوى اليسار في الشمال (اعتقالات وإخفاء قسري واغتيالات) وتجاه الجبهة القومية أثناء الكفاح المسلح، وتجاه السلطة اليسارية التي تسلمت السلطة بعد الاستقلال اتهامات بالكفر والعمالة، وأدار هذا التحالف حربين ضد الجنوب (1972 و 1979)، الأمر الذي يتعارض مع الهدف الخامس من أهداف ثورة 26 سبتمبر، الذي ينص على العمل على تحقيق الوحدة الوطنية ... إلخ.
كان تحالف تدمير الدولة يعارض المشير عبدالله السلال بذريعة المطالبة بحكم مدني، رغم أن البلد كانت لازالت تعيش مرحلة الثورة، والجيش الجمهوري يخوض حرباً في مواجهة بقايا الملكيين، ولم يكن الوقت قد حان لنقل السلطة للمدنيين، وبعد انقلابهم على السلال في 5 نوفمبر 1967، سلموا السلطة لرئيس ضعيف، وليس مدنياً (لأن النظام المدني ليس مقابلاً للنظام العسكري فقط، بل هو أيضاً مقابل للنظام القبلي والسلطاني، وضد النظام الثيوقراطي).
حاولت حركة 13 يونيو التصحيحية استعادة النظام الجمهوري، فقام تحالف هدم الدولة باغتيال المقدم إبراهيم الحمدي، وسلموا السلطة للعسكري أحمد الغشمي ثم للعسكري علي عبدالله صالح، وتراجعوا عن المطالبة بحكم مدني.
تحالف تدمير الدولة هو الذي أوصل علي عبدالله صالح للسلطة، وتحالف معه خلال فترة حكمه، وشاركوه في تدمير الوحدة الوطنية، وتحويل الوحدة التي تحققت في 22 مايو 1990 إلى مجرد ضم وإلحاق، وشاركوه في حرب صيف 1994 تحت شعار الحفاظ على الوحدة، رغم معرفتهم بأن الحروب تدمر الوحدة الوطنية ولا تحافظ عليها، وهو ما ولد نزعة انفصالية في الجنوب.
وعندما ثار الشعب اليمني ضد نظام علي عبدالله صالح العائلي بكل مكوناته (بما فيه تحالف تدمير الدولة)، لإعادة بناء الدولة وإصلاح النظام الجمهوري، نظم تحالف تدمير الدولة ثورة مضادة وأجهضوا ثورة فبراير.

زر الذهاب إلى الأعلى