الجمعة، 1 مايو 2026 | الموافق ١٤ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ
الرأي

ايران المحطمة والمنهكة

اسرائيل مستوطنة يملكها الإنجيليون الأميركان.

‏ستخرج إيران من هذه الحرب محطمة، منهكة، ومدينة. وأول ما ستعول عليه من أجل تعافيها هو مخزونها من النفط. سعر جيد للبرميل هو مسألة حيوية لبلد يريد أموالاً عاجلة، تحديداً وعملته المحلية تكاد تفقد معناها. فضلاً عمّا تعرفه إيران من التاريخ: يبدأ عناء الحرب بعد انقضائها.

سيتعين على نظامها أن يمتص آثار الزلزال، ويمنع مضاعفاته الأمنية والسياسية. كل الهزائم العسكرية، ربما بلا استثناء، زعزعت أنظمة الحكم، حتى تلك الأشد تماسكاً والموغلة في التاريخ. الورطة الاقتصادية ستربك نظام طهران، وقد تفتح عليه صنادق الجن كلها، ما إن يذوب الثلج ويبان المرج.

على الضفة الأخرى للخليج تنظر الإمارات في أوراقها، وتوشك أن تتخذ قرارات خطرة. قد تطلق مدفعية ثقيلة على قلب إيران في حال قررت إغراق السوق العالمية بالنفط خارج حسابات وضوابط أوبك.

فيما لو بدأ البرميل طريقه في الهبوط فسنحصل على مشهد شبيه بما صار للعراق في العام ١٩٩٠!

كان العراق خارجاً لتوه من حرب طاحنة أنهكته، وشرب فيها نظامه من الدماء ما يكفي لجعله مسعورا لمائة عام. احتاج لكل دورلا يجنيه من النفط من أجل استقرار نظامه في المقام الأول.

تحدث إلى جيرانه وطلب منهم معاونته في الحفاظ على سعر معقول للبرميل في الأسواق العالمية، حتى يتمكن من اجتياز أثر الحرب.

بلا مقدمات، ولأسباب غامضة للغاية، قررت الإمارات آنذاك رفع إنتاجها من النفط من مليون و٧٠٠ ألف برميل في اليوم إلى ما فوق المليونين. ولأسباب غامضة لحقت بها الكويت. في الأيام تلك، في فجر العولمة، كانت إضافة ١٠٠ ألف برميل إلى السوق كافية لزلزلته.

آنذاك لاحظ العراق مؤشر النفط وهو يهوي، وفرص البلاد في التعافي تتلاشى. تحسس مدفعيته. في خطاب شهير لصدام حسين مطلع ذلك العام قال إن العدوان على البلدان لا يكون فقط بالمدفعية، فقد يأخذ شكلاً اقتصادياً هو أكثر تدميراً من النيران. وألمح إلى حق بلاده في الدفاع عن نفسها، إلى آخر التفاصيل التي تعرفونها.

العراق الذي كان قد ألف الحروب وخساراتها ذهب في ردة فعله بعيداً، مدعياً أنه ما من خيارات لديه لصون حقوق "الماجدين والماجدات" سوى الذهاب إلى قتال جديد ردعاً للعدوان!.

الحقيقة أن المقامرات التي تجري على ركام المعارك قد تكون آثارها كارثية على المدى الطويل، وحتى الآن لا تزال مقامرات تلك الأيام تهز المنطقة. فالناس تصبح بعد الحروب أكثر ذكاء. وفيما يبدو ليس كل الناس.

فيما لو نفذت الإمارات خطتها ورفعت الإنتاج إلى ما فوق ال٥ ملايين برميل/ يومياً فقد تهز، عملياً، أسواق النفط. إيران، المصابة والجائعة، ستصاب أكثر وتجوع أكثر!

كيف ستتعامل إيران مع التحدي؟

في الواقع يبدو سؤال آخر أكثر أهمية: هل من الحكمة أن تكسب الإمارات في الوقت ذاته عدوين عملاقين ( السعودية وإيران) يحيطان بها كالسوار بالمعصم؟ وهل كان درس ١٩٩٠ تافهاً جداً لدرجة أنّ ما من أحد يتذكر تفاصيله؟

أما الحقيقة التي ينبس بها كل شفتين عليمين في الغرب فهي أن إسرائيل فريدة ولا نسخة ثانية منها في العالم. هي واحدة لا تستنسخ، أهميتها في كتابها المقدس، لا في موانئها ولا لوبياتها، ولا حتى في كونها حصناً غربياً في الشرق الأدنى.

أما أغرب ما في الأمر هو أن أحداً لم يتحدث قط عن كيف انزلقت المنطقة، ١٩٩٠، إلى الهاوية.

كما لو أن نيزكاً ضربها عن طريق الخطأ.