أقدم أحد قضاة مناطق الحوثية على الحكم على طفل تعارك مع طفل آخر (ابن القاضي عينه) بالنفي من محل إقامته.
قد تبدو الحكاية مضحكة أو مسلية أو غريبة أو غير معقولة، لكنها بالفعل واقعة حدثت في إحدى محافظات اليمن، وهي محافظة إب.
هذا الحكم، بكل ما فيه من عبث، يستحق التوقف عنده كثيرًا، لأنه في حقيقته يمثل جريمة مركبة، بل ويعكس القاع الذي وصل إليه المجتمع في ظل سلطة الجماعة الحوثية.
أولًا: يحدث النفي في العرف الاجتماعي عندما تقع جريمة كبيرة مثل القتل، وتفادياً لاتساع دائرة الثأر، يكون الحكم بإخراج الشخص المعتدي أو نفيه من قريته إلى أماكن أخرى.
وفي إطار العرف، قد يبدو هذا الإجراء مقبولًا، لأن فلسفة العدالة في العرف القبلي تختلف عن العدالة القانونية التشريعية.
لكن ما حدث هنا أن القاضي، الذي يمثل مؤسسة العدالة، قام باستحضار العرف إلى المحكمة دون التساؤل عن مدى عدالته، وهو ما يعكس تدهور مؤسسة العدالة في اليمن إلى درجة توظيف العرف داخل المحكمة.
كان المأمول في اليمن أن تتغلب العدالة المؤسسية على العدالة العرفية؛ لاتساق الأولى مع فلسفة العدالة الإنصافية القائمة على المساواة في الحقوق والواجبات دون تمييز أو تعصب وعصبية ، إلا أن الجماعة الحوثية -ومن داخل المحكمة - تقوض مكتسبات الجهاز العدلي في اليمن لصالح توظيف انتقائي للعرف القبلي.
ثانيًا: لا توجد في قانون العقوبات في الجمهورية اليمنية عقوبة النفي.
الأصل في القانون أنه قائم على فلسفة عدالة تهدف إلى تحقيق الإنصاف، وربط العقوبة بالفعل، ومراعاة حال الفاعل، فكيف يصدر حكم كهذا بحق طفل لا يتجاوز عمره 10 سنوات؟
لا وجود ضمن صلاحيات القاضي اي مجال لاصدار حكم "استعلائي" كهذا سيما والمعتدي عليه قريب القاضي.
ثالثًا: هناك نقطة مهمة تستحق التوقف عندها، وهي أن الطفل المعتدى عليه ينتمي إلى طبقة اجتماعية تدّعي الجماعة الحوثية الانتماء إليها، بينما الطفل الآخر ينتمي إلى عامة الشعب. والحقيقة أن هذا الحكم يعكس نهجًا عامًا سبق أن اتبعته الجماعة الحوثية مع خصومها السياسيين، عبر فرض عقوبات لم تكن معهودة في المجتمع اليمني، على الأقل منذ ستينيات القرن الماضي.
فالجماعة الحوثية، عندما تصل إلى منازل خصومها، تقوم بتفجيرها ونسفها. والغرض من مثل هذه الأحكام هو إقصاء الفرد من المجتمع، ونفيه من دائرته الاجتماعية، وهذا النفي لا يقتصر على البعد المادي فقط، بل يمتد إلى الإقصاء المعنوي أيضًا.
إنها سلطة، عندما تمتلك القوة، تسعى إلى نفي الآخر والتخلص منه، وإزالة وجوده ماديًا ومعنويًا.





