السبت، 16 مايو 2026 | الموافق ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ
الرأي

من اغتيال مؤيد حميدي… إلى استهداف مسار العدالة

الكاتب الحميدي ينتقد آلية القرارات العسكرية ويرى فيها تهديداً لكيان الدولة.

لم تعد قضية اغتيال مؤيد حميدي مجرد ملف جنائي عالق بين التحقيق والإعلان، بل تحولت وفق ما تكشفه معطيات ووثائق حديثة بحوزتنا إلى اختبار مباشر لمفهوم العدالة نفسه، ولمدى قدرة مؤسسات الدولة على حماية الحقيقة بدل تعطيلها.

منذ لحظة الإعلان الأول عن الواقعة وما تبعها من توقيفات، ظلّت الأسئلة الجوهرية دون إجابة:

أين وصلت التحقيقات فعليًا؟

ولماذا لم يُكشف للرأي العام مسار قضائي مكتمل وشفاف حتى اليوم؟

لكن الأخطر من ذلك، ما تكشفه التطورات اللاحقة، حيث تشير المعطيات إلى أن القضية لم تتوقف عند حدود الجريمة الأصلية، بل امتدت إلى محاولات التأثير على مسار التحقيق ذاته، عبر تغييب أو استهداف أطراف مرتبطة بكشف الحقيقة، وإعادة توجيه مسار الاتهامات بعيدًا عن مساره الصحيح.

وبحسب وثائق وتقارير تفصيلية متوفرة لدينا، فإن هناك مؤشرات خطيرة على أن بعض من تم توقيفهم أو تقديمهم كمتهمين في القضية ،لا يرتبطون فعلياً بالتنفيذ المباشر للجريمة، وأن هناك أطرافاً أخرى ما تزال خارج نطاق المساءلة، رغم وجود ما يشير إلى صلتها بالحدث أو بما تلاه من إجراءات.

كما تكشف الوثائق ذاتها عن ثغرات في مسار جمع الأدلة وآليات المطابقة والتحقيق، إضافة إلى مؤشرات على ضغط أو تضليل في مسار العدالة، بما يطرح تساؤلات أوسع حول استقلالية الإجراءات القضائية في هذه القضية الحساسة.

إن حماية العمل الإنساني وموظفي الأمم المتحدة لا تتحقق بالتصريحات والوعود، ولا بتدوير التعيينات حول شخصيات تدور بشأنها شبهات تتعلق بالتخطيط أو التستر، أو تسهيل هروب متهمين في قضايا تمس الأمن والاستقرار، بل تبدأ بفتح الملف الكامل في قضية اغتيال مؤيد حميدي، وإعادة النظر في مقتل المحقق عدنان المحيا، الذي تشير المعطيات إلى أنه وصل إلى خيوط حساسة مرتبطة بجريمة اغتيال الموظف الأممي مؤيد حميدي، قبل أن يتم استهدافه هو الآخر في ظروف تثير الكثير من التساؤلات.

كما أن اغتيال المحقق عدنان جاء بحسب ما لدينا من معلومات ووثائق وبعد تسريب وثائق مرتبطة بالقضية، حيث تشير المعطيات إلى أنه كان قد وصل إلى خيوط تتعلق بهوية متورطين محتملين، في الوقت الذي تم فيه توقيف أشخاص لا صلة مباشرة لهم بالقضية، مع وجود مؤشرات على تهريب بعض الأطراف الفعلية عبر مسارات غير شفافة.

وقد قام قبل مقتله بساعات بتسريب وثائق مهمة أوصى بنشرها في حال تعرضه لأي استهداف، وقد وصلت بالفعل إلى جهات توثيق معنية، ولدينا نسخ موثقة منها، وسيتم تزويد الجهات الدولية المختصة بها عند الحاجة، ضمن مسار قانوني وحقوقي يهدف لكشف الحقيقة كاملة دون انتقائية أو تلاعب.

إن ما يزيد خطورة المشهد هو أن ملفًا بهذه الحساسية، يتعلق بجريمة اغتيال شخصية عاملة في مجال إنساني دولي، لم يُغلق حتى الآن، ولم تُعرض نتائجه للرأي العام أو للجهات الدولية المعنية، رغم مرور فترة زمنية كافية لإظهار الحقيقة كاملة دون تجزئة أو تأجيل.

اليوم، لم يعد السؤال فقط: من قتل مؤيد حميدي؟

بل أصبح السؤال الأوسع والأخطر: من يعرقل الوصول إلى الحقيقة؟
ومن يحاول إعادة تشكيلها خارج إطار العدالة؟

إننا نؤكد أن بحوزتنا وثائق ومعطيات حساسة مرتبطة بهذه القضية، تتضمن تفاصيل ومؤشرات لا يمكن تجاهلها، وأننا على استعداد لتزويد الأمم المتحدة والجهات الدولية والحقوقية المختصة بها متى ما توفرت إرادة حقيقية وجادة، للقيام بواجبها تجاه حماية موظفيها وكشف الحقيقة كاملة.

كما سنواصل تزويد تلك الجهات بأي معلومات أو مستجدات تتعلق بهذه القضية الإنسانية، بما يسهم في دعم مسار تحقيق مهني مستقل وشفاف، بعيدًا عن أي تأثير أو تضليل أو محاولات لطمس الحقيقة.

إن استمرار الصمت أو إدارة الملف بمنطق التجزئة أو التعتيم لا يهدد فقط قضية واحدة، بل يهدد الثقة في منظومة العدالة، ويبعث برسالة خطيرة مفادها أن الحقيقة يمكن تأجيلها أو إعادة صياغتها أو دفنها تحت ضغط النفوذ.