الحقيقة التي يرفض البعض مواجهتها في الجنوب، أن الوحدة اليمنية لم تكن الخطأ الوحيد للحزب الاشتراكي، بل كانت تتويجًا لسلسلة طويلة من الأخطاء الكارثية التي بدأت منذ ما بعد الاستقلال.
سياسات الحزب الاشتراكي في الجنوب لم تكتفِ بإضعاف المجتمع وضرب الاقتصاد، بل سعت إلى تفكيك الهويات المحلية وإذابة التركيبة الاجتماعية الجنوبية تحت شعارات أيديولوجية مستوردة، انتهت بأصحابها بين قتيل ومشرد ومنفي.
للأسف، إدارة الاشتراكي للجنوب كانت كارثية بكل المقاييس، ولا يمكن لأحد أن يزايد علينا بشعار “بناء الدولة”، لأن الدولة الحقيقية لا تُسلَّم لاحقًا بلا مقاومة ولا ثمن لقوى الفساد والإخوان والعصابات التي عبثت بالجنوب لاحقًا.
والأكثر غرابة، أنه رغم كل ما حدث للجنوب بسبب أخطاء تلك المرحلة، لا تزال هناك أصوات اشتراكية تصر على إبقاء الجنوب داخل دائرة الفشل ذاتها التي ساهموا في صنعها، عبر شراكات سياسية مع أحزاب يمنية لم تفهم من الديمقراطية والسلام والشراكة الوطنية إلا ما يخدم مصالحها ونفوذها، لا مصلحة الجنوب ولا قضيته.
هذه الأحزاب لم تتعامل مع الجنوب يومًا كشريك حقيقي، بل كساحة نفوذ ومورد سياسي واقتصادي، وكانت شريكًا مباشرًا أو غير مباشر في إضعاف مؤسسات الجنوب، وضرب هويته، وإغراقه بالصراعات والأزمات، بينما ظلت شعارات “الوحدة” و”الديمقراطية” تُستخدم كغطاء لإعادة إنتاج الهيمنة والفشل.
الدولة ليست شعارات وأناشيد وخطابات ثورية، الدولة مؤسسات مستقرة، وهوية وطنية متماسكة، واقتصاد قوي، وعدالة تحفظ كرامة الناس، وهذه كلها تعرضت للتآكل بسبب صراعات الرفاق من جهة، وهيمنة الأحزاب اليمنية التقليدية ومشاريعها الانتهازية من جهة أخرى.
ومع ذلك، لا يعني نقد تجربة الاشتراكي تبرئة من جاء بعده، فالجميع يتحمل جزءًا من مسؤولية ما وصل إليه الجنوب اليوم، لكن تزوير التاريخ أو محاولة تقديم التجربة الاشتراكية كمدينة فاضلة لن يخدم الحقيقة ولا الأجيال القادمة.
الجنوب بحاجة اليوم إلى مشروع وطني واقعي، يتجاوز أخطاء الماضي، ويحافظ على الهوية الجنوبية، ويؤسس لدولة تحترم الإنسان بدلًا من إعادة تدوير الكوارث القديمة بشعارات جديدة..




