الخميس، 21 مايو 2026 | الموافق ٣ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ
الرأي

تحالف يعيد هندسة المشهد الوطني

حرب معلنة من داخل قلب الشرعية

في خضم تشظي المشهد اليمني، حيث تتصادم الولاءات الضيقة وتتآكل المؤسسات تحت وطأة الحرب والانقسام، تبرز فكرة لا تكتفي بأن تكون مجرد أمل عابر بل يجب أن تتحول إلى ضرورة استراتيجية ملحة، لبناء تحالف سياسي مؤسسي يجمع بين طارق صالح رئيس المكتب السياسي كزعيم سياسي لمكون ناشئ، ومعين عبدالملك كزعيم سياسي مستقل جسد نموذج الدولة التقنية.

هذا الحلف، إن نظم بوعي ورؤية، لن يكون مجرد ترتيب تكتيكي عابر بل نواة لمشروع وطني جامع يعيد الاعتبار لمبدأ المؤسسة قبل الفصيلة، ويحول التنافس السياسي إلى تكامل والشتات إلى استراتيجية موحدة تقود اليمن من حالة البقاء في الإنهيار إلى حالة البناء والإستقرار.

طارق صالح ليس قائد عسكريًا فحسب، بل ظاهرة سياسية نادرة تجمع اليوم بين الشرعية الميدانية، والعمق الاجتماعي، والرؤية المؤسسية المتنامية، وخبرته في قيادة الساحل الغربي، وإدارته للملفات الأمنية في بيئات هشة وتحوله المؤسسي عبر المكتب السياسي يمنحه القدرة على ترجمة النفوذ إلى شراكة والقوة إلى حضور سياسي قابل للاستدامة.

وفي المقابل، يقف الدكتور معين عبدالملك كتجسيد حي لمبدأ الدولة كمؤسسة وليس كشعارات، وكخبير اقتصادي وإداري أدرك منذ وقت مبكر أن بقاء اليمن في أحلك ظروفه لا يبنى بالخطابات، بل بإدارة متكافئة وبميزانية تدار بصرامة وخدمة تقدم في الوقت المناسب ومؤسسات تصان من العبث، واستقلاليته وبعده عن الولاءات الفصائلية الضيقة، مكناه من التعامل بنجاح كبير مع الملفات الشائكة بمرونة تقنية عالية تفوقت على الحسابات السياسية المباشرة، مما جعله النموذج النادر للإدارة المسؤولة في زمن الاستقطاب.

والتاريخ القريب يقدم أدلة دامغة على كفاءة هذا الثنائي. في ربيع عام 2021، حين كانت التوقعات الدولية والإقليمية تتجه نحو سقوط مارب، نجحت الحكومة برئاسة معين بالتنسيق الدقيق مع القيادة العسكرية والمجتمع القبلي المحلي من منع سقوط مأرب وإفشال معركة الحوثي الذي انخرط فيها حزب الله بشكل مباشر، وونجح في تحويل المدينة إلى نموذج فريد للإدارة تحت الحصار.

فالصمود في مأرب حينها لم يكن حظ، بل نتاج تخطيط مؤسسي، وتنسيق أمني حال دون الاختراق والسقوط. وفي الوقت نفسه، واجهت تلك المرحلة محاولات متكررة من أطراف أخرى لإحداث شرخ في القرار السيادي وتوسيع النفوذ على حساب مؤسسات الدولة، فكان الرد حاسم ومؤسسي، حافط على استقلالية القرار الحكومي وكبح جماح المحاصصة وإفشال مخططات التمدد التي كانت تسعى لمصادرة الدولة من داخلها.

وهذا الإرث ليس مجرد سجل إنجازات بل دليل على أن الكفاءة السياسية حين تلتقي بالشرعية الميدانية تصنع مناعة وطنية لا تخترق بسهولة.

بالتالي تحالف هذين الركنين سيعيد هندسة المشهد الوطني على أكثر من صعيد. أمنياً سيوحد القرار بين النفوذ الميداني والغطاء المؤسسي ،مما يقطع دوائر ازدواجية القيادة ويؤسس لاستراتيجية موحدة ضد الحوثيين وجماعات التطرف، واقتصاديًا ستترجم الخبرة التقنية والإدارية والسياسية لمعين إلى إصلاحات جريئة مدعومة بقدرة طارق على حشد التأييد المحلي لها.

مما يفتح الباب الحقيقي لكسر الجمود وجذب الاستثمار وإعادة بناء البنية التحتية دون انزلاق في شعبوية مدمرة، وسياسيًا، سيشكل هذا التحالف جسر بين القوة والمؤسسة، ويوسع قاعدة التمثيل ويقلص هامش المناورة للفصائل الهامشية ويعيد للدولة هيبتها كطرف جامع وليس كبديل فصائلي.

وفي ملف مكافحة التطرف، ستنتج الشراكة بشكل فعلي نموذج مزدوج، أمني مجتمعي يقود الجانب الوقائي الميداني، وتنموي خدمي يعالج الجذور الاجتماعية والاقتصادية التي تتغذى عليها الجماعات المتطرفة، ليغلق بذلك الفراغ الذي تستغله الجماعات المتطرفة للتجنيد والتمدد.

ولن يتوقف عائد هذا الحلف عند صنع القرار المركزي، بل سيمتد ليعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمحافظات.

فتعز والحديدة بوصفها مناطق تأثير لطارق، يمكن أن تتحول من ساحات تنافس إلى نماذج للإدارة المحلية المشتركة، حيث يسهم الغطاء الأمني والاجتماعي في تأمين المشاريع الوطنية، وتسخر الكفاءة الإدارية في تنفيذها، وفي الوقت نفسه يمكن نقل خبرات معين في إدارة الملفات تحت الضغط إلى محافظات أخرى،.

مع احترام الخصوصيات المحلية ورفض النموذج المركزي الجامد، والآلية المقترحة لذلك تقوم على إنشاء مجالس تنموية أمنية مشتركة في كل محافظة، تضم ممثلين عن الحكومة وعن القوى المحلية والمجتمع المدني وتكون مسؤولة عن أولويات التنمية وتنسيق الجهود الأمنية ورصد الفساد المحلي تحت مظلة وطنية واحدة تضمن عدم بقاء التنمية حكر على مدينة معينة ولا الأمن رهينة للتجاذبات.

وسيكون هذا التحالف اختبار حقيقي لقدرة النخب اليمنية على تجاوز منطق إما أنا أو الفوضى، ولن يقاس نجاحه بعدد البيانات أو التصريحات بل بقدرة كل المحافظات على استعادة خدماتها، وبقدرة الحكومة على صرف رواتبها، والدولة على فرض هيبتها.

ويمكن من خلاله أن تكون السياسة اليمنية فن التكامل وليس فن الإقصاء والتهميش، والكفاءة والشرعية ليستا نقيضين أيدًا بل جناحان لا يطير الوطن إلا بهما معًا، وفي زمن تكثر فيه الخطابات وتقل فيه الإنجازات تبقى الشراكة الذكية بين من يملكون الأرض ومن يملكون العقلية المؤسسية هي البوصلة الوحيدة القادرة على إعادة اليمن إلى مساره الطبيعي .

وضمان بناء دولة واحدة، ومؤسسات قوية ومستقبل يصنع بالعمل المؤسسي الدؤوب، ففي النهاية الخلاص الوطني لن يأتي من فرد أبدًا بل من شراكة ترفض أن تكرر أخطاء الماضي وتجرؤ على كتابة فصل جديد.