منذ أن أعلنت عدن عاصمة مؤقتة للجمهورية اليمنية، كان يفترض أن تتحول إلى مركز لإدارة الدولة واستعادة مؤسساتها وبناء نموذج مختلف عن الفوضى والانقلاب والحكم بالقوة، لكن ما حدث كان العكس تماما، فقد تحولت العاصمة المؤقتة إلى عنوان لغياب السلطة بدلا من حضورها، وإلى رمز للشلل السياسي والإداري بدلا من أن تكون مركزا للقرار الوطني..
يتساءل المواطن اليمني اليوم، وبحق: لماذا لا يعود مجلس القيادة الرئاسي والحكومة للإقامة الدائمة في عدن؟ ولماذا تدار البلاد من الخارج بينما تتآكل مؤسساتها في الداخل؟ ولماذا تبدو العاصمة المؤقتة وكأنها مدينة بلا دولة، ودولة بلا قيادة، وشعب لا يسمع صوته؟.
إن أخطر ما يواجه اليمن اليوم ليس فقط الحرب أو الأزمة الاقتصادية، بل الفراغ السياسي، فالدول لا تنهار حين تتعرض للأزمات، وإنما تنهار حين يغيب من يديرها ويتحمل مسؤولية مواجهتها. والمشهد الحالي يكشف عن حالة غير مسبوقة من غياب القيادة الفاعلة، حيث تحولت مؤسسات الدولة إلى هياكل شكلية عاجزة عن اتخاذ القرار أو تنفيذ السياسات أو حتى حماية مصالح المواطنين..
لا يمكن إقناع الناس بأن الظروف الأمنية وحدها تمنع عودة القيادة والحكومة إلى عدن. فكيف يمكن المطالبة باستعادة الدولة بينما كبار مسؤوليها لا يمارسون مهامهم من داخل أراضيها؟ وكيف يمكن إقناع المواطن بالثقة بمؤسسات لا يرى قادتها ولا يشعر بوجودهم؟ إن الدولة تبنى بالحضور والمسؤولية وليس بالغياب..
النتائج أصبحت واضحة للجميع وكارثية، انهيار العملة، وتراجع الخدمات، انقطاع الكهرباء، تفشي الفساد، تعطل القضاء، تآكل الثقة بالمؤسسات، ترك المواطن وحيدا في مواجهة أزماته اليومية. وكلما طال غياب القيادة، اتسعت الفجوة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والشعب..
قد لا يكون هناك مخطط معلن، لكن النتيجة على الأرض تشبه العقاب الجماعي، فالمواطن هو من يدفع الثمن وهو الحلقة الأضعف في معادلة الصراع والمصالح والحسابات الإقليمية والدولية. لقد أصبح اليمنيون يشعرون بأن معاناتهم تحولت إلى أمر اعتيادي لدى القوى السياسية، وأن أزماتهم لم تعد أولوية لدى أحد..
لكن السؤال الأخطر من كل ذلك هو: أين المجتمع؟ وأين النخب؟ وأين القيادات التي تعبر عن إرادة الناس؟
لقد أثبتت السنوات الماضية أن معظم القوى السياسية التقليدية أصبحت أسيرة حساباتها الخاصة، بينما بقي الشارع بلا صوت موحد ولا مشروع وطني جامع. ومع ذلك، فإن التاريخ يعلمنا أن الشعوب لا تبقى صامتة إلى الأبد، وأن الفراغ القيادي لا يدوم. فعندما تعجز النخب القائمة عن أداء دورها، تبدأ المجتمعات بإنتاج قيادات جديدة تنبع من معاناتها وتطلعاتها. مايحتاجه اليمنيون اليوم هو مشروع وطني يعيد الاعتبار لفكرة الدولة..





