ليست المشكلة في الخصومة السياسية، ولا في اختلاف المواقف، وإنما في ذلك الصنف من البشر الذي يجد لذته في إيذاء الآخرين، ويعتقد أن صعوده لا يكون إلا بالوقوف على آلام الناس وكرامتهم..
أتحدث اليوم عن إبراهيم الجهمي، انطلاقا من تجربتي الشخصية معه، وهي تجربة تركت في نفسي قناعة راسخة بأن أخطر ما يمكن أن يواجهه الإنسان ليس الخصم الشريف، وإنما من يبيع ضميره تحت أي مبرر، ثم يختبئ خلف عبارة: “كنت أقوم بواجبي الوظيفي”..
حين كنت معتقلا لدى السلطات المصرية، وفي الوقت الذي كنت أعتقد أن واجب ممثل الدولة هو حماية مواطنيه واحترام القانون، فوجئت بإصرار إبراهيم الجهمي بأن يأتي إلى النيابة للوقوف إلى جانبي وإذا به يطلب من الجهات المصرية عدم الاعتراف بجوازي الدبلوماسي وسحبه مني.
وكان هذا الجواز هو حصانتي في موقف ما زلت أعده من أكثر المواقف قسوة في حياتي. لم يكن الأمر بالنسبة لي خلافا إداريا أو سياسيا، بل كان شعورا بأن إنسانا يعرف حقيقة ما يجري اختار أن يقف في الجانب الذي يزيد معاناة إنسان آخر!.
بعد ذلك بسنوات، شاءت الظروف أن نلتقي في أوروبا مهجرين، أنا بسبب مواقفي من الحرية والكرامة، وهو بسبب انتهاء خدماته المؤذية لمواطني بلده. تواصل معي طالبا اللقاء، فرفضت في البداية، ثم واجهته بمواقفه تجاهي.
قدم اعتذارا مطولا، وبرر ما حدث بأنه كان يؤدي دورا وظيفيا. قبلت اعتذاره، لا لأنني نسيت، وإنما لأنني أردت أن أمنح قيمة التسامح فرصة، ولعل النفس تسمو على أخطائها، ولعل الإنسان يراجع نفسه ويغادر ضيق المصلحة إلى رحابة الكرامة..
لكن الأيام أثبتت لي أن الاعتذار لا قيمة له إذا لم يصحبه تغير في الأخلاق. فعندما رأيته يعود لاستحضار اسمي في منشور لا علاقة لي بموضوعه، مستعيدا روايات وقضايا قديمة في سياق تصفية الحسابات والإساءة، أيقنت أن المشكلة ليست في موقف عابر، وإنما في عقلية تعيش على اجترار الخصومات، وتستمد حضورها من الإساءة إلى الآخرين..
وهنا يبرز سؤال مشروع: لماذا جرى استحضار اسمي في قضية لا علاقة لي بها؟ ولماذا ترك أصحاب القرار الحقيقيون، بينما جرى الزج باسمي مرة أخرى في معركة لا ناقة لي فيها ولا جمل؟ إن من يقرأ المشهد بإنصاف سيدرك أن هناك من اعتاد استخدام الأشخاص وقودا لتصفية الحسابات، بدلًا من مواجهة الحقائق كما هي..
لقد تعرضت للأذى كثيرا، في نفسي وأسرتي، ودفعت أثمانا باهظة بسبب مواقفي السياسية، وما يزال ابني يدفع ثمنا مؤلما أحمل مسؤوليته للجهات التي أرى أنها أسهمت في استمرار معاناته. ومع ذلك، لم أتعلم الكراهية، ولم أفقد إيماني بأن الإنسان يسمو بأخلاقه لا بمنصبه، وبمواقفه لا بما يملكه من سلطة..
إن النفوس الكبيرة لا تفرح بإسقاط الناس، ولا تتغذى على التشهير، ولا تجعل من الانتقام مشروع حياة. أصحاب النفوس الرفيعة يختلفون بشرف، ويخاصمون بكرامة، ويعتذرون بصدق، وإذا سامحوا لم يعودوا إلى الطعن من الخلف..
أما النفوس الصغيرة، فهي لا تستطيع النظر إلى السماء لأنها اعتادت الانحناء، ولا تعرف معنى الحرية لأنها ألفت الارتهان، ولا تدرك قيمة الكرامة لأنها اعتادت المقايضة عليها. إنها تظن أن إيذاء الآخرين قوة، بينما هو في الحقيقة أصدق دليل على هشاشتها الداخلية وفقرها الأخلاقي.
إن ما أكتبه اليوم ليس دعوة إلى الكراهية، ولا إلى تصفية الحسابات، وإنما شهادة أمام الرأي العام كما أراها وأعيشها، حتى يعرف الناس أن أخطر ما يفسد المؤسسات ليس ضعف الإمكانات، وإنما وجود أشخاص يفتقدون البوصلة الأخلاقية، فيجعلون من مناصبهم أدوات للإضرار بالناس بدلا من خدمتهم..
وسأبقى، مهما كانت التضحيات، منحازا إلى الحرية والكرامة والحق، مؤمنا بأن أصحاب المبادئ قد يتعبون، وقد يدفعون أثمانا باهظة، لكنهم لا ينكسرون، بينما يظل أصحاب النفوس الوضيعة أسرى خوفهم، وأسرى مصالحهم، وأسرى تاريخ لا يستطيعون الهروب منه..
هذا بلاغ للناس، والله على ما أقول شهيد، وهو المستعان





