إن المشهد في مطارح الكرامة بالريان ليس مجرد خلاف عرضي على حدود أو حقوق او مظلمة عابرة انه زلزال سيكولوجي اجتماعي يعيد ترتيب الخارطة الذهنية لليمنيين، لقد مات الحوثي في العقل الجمعي اليمني يوم ان حول حياة الناس الى مأتم مستمر وجباية لا تنتهي .
وما يحدث الان هو تجلي هذا الموت وتحوله الى فعل مقاوم على الارض ،حتى لو افترضا محالا نجحت لغة القوة الحوثية، أو التهدئة المؤقتة في تفريق الجموع لحين ،فإن الفكرة قد ولدت وثقب الجدار قد اتسع لقد غادرت القبائل مربع الخوف والانتظار ولملمت شتات هويتها ،لتظل حية مستيقظة في معركة استعادة الذات، بانتظار اللحظة التي يتطابق فيها الموت النفسي للسلطة مع زوالها المادي الحتمي
سلطة الحوثي الثيوقراطية المسكونة بوهم الحق الالهي، عاشت عنفوانها بفرض فائض القوة لعشرسنوات ،حتى أفرغت من محتواها الانساني والسياسي والوطني والاخلاقي ،بدأت تدخل مرحلة التخشب السريري قبل أن تلفظ أنفاسها الاخيرة في وعي المجتمع حتى وان ظلت تمسك بزمام القمع وادوات الجباية، هذه حقيقة بديهية تتصل بمجريات التاريخ الاجتماعي والسياسي.
فالشعوب عموماً قد تركع تحت وطأة التنكيل، لكنها لا تمنح ولاءها الحقيقي لمن يرى في وجودها مجرد سخرة لخدمة سلالة او فكرة عابرة للحدود ،ولكن متى تموت السلطة في الادراك الجمعي، ومتى يتحول المشرف من كائن يهاب خطره الى مجرد عالة تاريخية ينتظر الخلاص منها .
أنها تموت في اللحظة التي يفقد فيها المجتمع قدرته على تصديق سردياتها ،وتتحول خطاباتها الجهادية في مسامعه الى ضجيج جوف لا يسد جوعاً ولا يحفظ كرامة، في تلك اللحظة يصبح وجود السلطة شكلياً ومسنوداً بالخوف وحده، وهو التفسير السيكولوجي العميق لمفهوم الموت الاعتباري، الذي تعيشه الجماعة الحوثية اليوم في اليمن، وتحديدا في جغرافية القبيلة التي ظنت الجماعة انها استأنستها الى الابد
ما يحدث في مطارح الكرامة بالريان وما يوازيها من حراك وتحشيد وتجاور قبلي غير مسبوق ،يمثل الاعلان الصادم عن وفاة السلطة الحوثية في اللاشعور الجمعي القبلي القبيلة اليمنية، التي حاولت الجماعة تفكيك بنيتها التاريخية عبر منظومة المشرفين، واحلال الولاء العقائدي الطارئ بدلا من الاعراف العريقة .
تعيد اليوم تنظيم مساراتها السياسية والاجتماعية بعيداً عن المركز الصنعاني المسكون بهواجس المظلومية والاصطفاء، ويمكن تحليل الاداء النفسي والسلوكي للطرفين القبيلة في مطارحها ،والسلطة الحوثية في عزلتهما من خلال الابعاد التالية.
يتضح من خلال التداعي القبلي نحو مطارح الكرامة أن الفوبيا التي زرعتها الجماعة عبر سنوات التنكيل والبطش، قد انكسرت المشهد القبلي المحتدم بالزوامل والوجوه السمراء العازمة، يعكس قناعة جمعية بان عصر الوصاية السلالية قد انتهت صلاحيته اخلاقياً وعرفياً.
وان السيادة هي للحق الارضي والمواطنة والكرامة الانسانية، وليست لصكوك الغفران القادمة من الكهف لسنوات راهن الحوثي على سياسة فرق تسد ،مغذياً الثارات وممزقاً النسيج الاجتماعي لضمان التبعية، لكن اللقاء والتلاحم في الريان بين مختلف القبائل، يمثل استرجاعا تعويضيا للهوية اليمنية السبئية الحميرية.
وحسب انه انبعاث للمشاعر الوطنية في انقى صورها حيث تتراجع التمايزات الجغرافية والمذهبية، امام نداء الكرامة والداعي القبلي للشيخ حمد بن فدغم ،ليصبح الالتفاف حول المطارح بمثابة تدريب علني على كسر الطوق الخرساني الايديولوجي، الذي فرضته الجماعة.
كان احساس القبائل تحت سلطة الامر الواقع احساساً بالمستحيل ومحاصرة في لقمة عيشها وهويتها، اليوم تتحول المطارح الى مسرح مفتوح لاعادة اكتشاف الذات اليمنية الناطقة ،وحفر في صخور الصمت الطويل لتثبت القبيلة أنها ليست مخزوناً بشرياً للمجهود الحربي ،بل هي نواة الهويه وضامنة الكرامة حين تغيب مؤسسات الوطن
أمام هذا الانبعاث تمارس السلطة الحوثية دور المحتضر سريرياً، عبر مسلكين عصابيين اولهما الاستعلاء والمنغلق العقائدي، إذ ترفض الجماعة مدفوعة بوهم الحق الالهي النزول من عرش معصوميتها المدعاة للحوار الندي ،مع القبائل او تلبية مطالبها المشروعة في تسليم ربيعتهم ميرا صدام حسين ،بانصاف وتخل عن غطرستها .
وبدلاً من ذلك تتعامل بفوقية تامة مرسلة لجان الوساطة ليس لحل المظالم بل لاملاء الشروط ومحاولة احتواء الموقف بوسائل الترغيب والترهيب التقليدية مما يعمق الفجوة النفسية، ويزيد من اشتعال الغضب القبلي الذي يرى في هذا السلوك اهانة متعمدة لاسلافه واعرافه .
وثانيهما التفكير الاسقاطي وجنون الارتياب، اذ تعاني السلطة الحوثية اليوم من عجز ادراكي عن استيعاب ان القبيلة قد تجاوزتها نفسياً ،لذا تلجأ فورا الى الانكار والاسقاط، فكل حراك قبلي في الريان او غيره هو في نظرها مؤامرة خارجية، وأجندات سفارات وتحريك من قوى العدوان.
هذا التفكير الارتيابي هو السمة البارزة لكل سلطة تموت في عقول الناس ،إذ تعجز عن رؤية عيوبها وظلمها، وترى في أنين المظلومين خيانة وطنية ونتيجة لفوبيا الانفجار الجمعي، تبدأ الجماعة بالتلويح بالقوة العسكرية الطائشة، وحشد الارتال والتهديد بالقمع وهو سلوك يائس يعبر عن رعب باطني من حتمية السقوط




