الجمعة، 10 يوليو 2026 | الموافق ٢٤ محرم ١٤٤٨ هـ
الرأي

إيران... حين عاد الرماد إلى مُشعل النار .

إيران... حين عاد الرماد إلى مُشعل النار .

في القرى القديمة، كان الناس يحذرون الأطفال من رجلٍ يهوى إشعال الحرائق في أطراف الغابة، لا لأنه يريد الدفء، بل لأنه يستمتع برؤية اللهب وهو يلتهم الأشجار. وكان يظن أن الريح ستبقى دائمًا صديقة له، تدفع النار بعيدًا عن بيته، حتى جاء يوم تغيّر فيه اتجاه الريح، فعادت ألسنة اللهب إلى الباب الذي خرجت منه أول شرارة.

هكذا تبدو السياسة أحيانًا. فالحروب لا تشبه السهام؛ يمكنك إطلاق السهم مرة واحدة، لكنه لا يعود إليك. أما النار، فإنها لا تعترف بالحدود، ولا تفرّق بين من أشعلها ومن وقف يتفرج عليها.
على مدى سنوات طويلة، اختارت إيران أن تمد نفوذها عبر ساحات الصراع أكثر من مدّه عبر جسور التنمية. تحولت عواصم عربية إلى ميادين مواجهة، وتداخلت الأزمات المحلية مع الحسابات الإقليمية، حتى أصبحت شعوب كاملة تدفع ثمن صراعات لم تكن صاحبة القرار فيها.

في اليمن، دفعت الحرب أثمانًا باهظة من الدم والاقتصاد ومستقبل الأجيال. وفي سوريا، كانت المدن شاهدة على سنوات من الدمار والنزوح. وفي لبنان، تداخلت الأزمات السياسية والاقتصادية مع التجاذبات الإقليمية. أما العراق، فما زال يسعى لاستعادة استقراره بعد عقود من الصراعات والانقسامات.

الخاسر الأكبر في كل تلك الساحات لم يكن السياسي الذي يفاوض من خلف الطاولات، بل المواطن الذي فقد منزله، أو عمله، أو ابنه، أو حلمه بحياة طبيعية. فالشعوب العربية دفعت كلفة الصراع من أمنها واقتصادها واستقرارها، بينما كانت المشاريع السياسية تتبدل، وتبقى المعاناة ثابتة.

غير أن عجلة التاريخ لا تتوقف عند محطة واحدة. فالدولة التي تنفق سنواتها في إدارة الصراعات خارج حدودها، قد تجد نفسها مع مرور الوقت أمام تحديات متراكمة داخل حدودها. الضغوط الاقتصادية، والعقوبات، وارتفاع تكاليف السياسات الخارجية، كلها عوامل تركت آثارًا واضحة على المواطن الإيراني، الذي أصبح يواجه بدوره أعباءً معيشية واقتصادية متزايدة.

وهنا تتجلى مفارقة التاريخ؛ فالنار التي أُريد لها أن تظل بعيدة، بدأت تبعث بحرارتها إلى من أوقدها. ليس لأن الشعوب تنتقم، بل لأن السياسات، مهما بدت قوية في بدايتها، تحمل نتائجها معها، وتعود بها إلى أصحابها مع مرور الزمن.

إن بناء النفوذ بالقوة قد يحقق مكاسب مؤقتة، لكنه لا يصنع استقرارًا دائمًا. أما بناء العلاقات على التنمية، والاحترام المتبادل، والتعاون، فهو الطريق الذي يبقى أثره عندما تنطفئ أصوات المدافع.

ولعل الدرس الأهم أن الشعوب لا تكسب من الحروب الطويلة. فالإيراني الذي يبحث عن حياة كريمة، واليمني الذي يحلم بدولة مستقرة، والسوري الذي يريد العودة إلى منزله، واللبناني الذي ينتظر انفراجًا اقتصاديًا، والعراقي الذي يتطلع إلى مستقبل آمن... جميعهم خسروا سنوات كان يمكن أن تُبنى فيها المدارس والمستشفيات والمصانع بدلًا من ساحات القتال.

التاريخ لا يعاقب أحدًا بدافع الانتقام، لكنه يضع كل مشروع أمام نتيجة اختياراته. ومن يزرع الصراع سنوات، لا ينبغي أن يندهش إذا وجد أن أول من يحصد أشواكه هو هو، قبل غيره.

فالريح قد تتأخر لكنها لا تنسى طريق النار.