الثلاثاء، 21 يوليو 2026 | الموافق ٥ صفر ١٤٤٨ هـ
الرأي

الحوثيين وتفعيل حروب الذاكرة !

أسوأ ما في الدعاية الحوثية هو ادعاؤها تبني الانتصار لليمنيين في مواجهة الهيمنة والاستكبار السعودي. تحشد اتباعها لمطالب وقحة وكاذبة هي استلام رواتب وخدمات من بلد جار. لا توجد سلطة في العالم تمارس هذا الابتزاز الفج إلا الجماعة الحوثية.

تكرر الجماعة الحوثية هذا الخطاب بلا كلل ولا ملل، بوصفه وسيلة التعبئة والحشد الأولى، وتدغدغ به نفوساً يمنية مقهورة ومغلوبة بفقرها، وسوء وفساد إدارتها التاريخية، وملابسات تاريخية يغلب عليها التهويل والأسطرة أكثر من كونها حقائق.

لكن المحصلة العامة هي أن التكرار سيتحول إلى صورة ذهنية راسخة، وستنشأ أجيال من اليمنيين مكسورة النفس والإباء، تعتقد أنها أدنى من أن تتعامل مع السعودية على أساس الندية. ثم إن هذا الخطاب سيخلق عداءً على المستوى الشعبي ليس له أي أساس حقيقي.

تتقدم الحوثية بهذا الخطاب بوصفها بطلةً في مواجهة جارٍ كبير، بينما ينطوي في جوهره على افتقاد واضح للمسؤولية السياسية. وفي المحصلة، فإنه يعيد إنتاج ذهنية زعامات الحارات الإجرامية، ولا يؤسس لقانون عام، ولا لمستوى معقول من فهم طبيعة التنافس مع جار كبير.

تتعمد الحوثية الانطلاق من عقدها الخاصة، المذهبية (مع الوهابية) والجغرافية (الجوار المتناقض) والتاريخية (هزيمة الامامة في اول مواجهة). ثم تعمل على تعميمها على اليمنيين جميعًا.

ولهذا توجه خطابًا مبتذلًا وقبيحًا يتجاوز حدود الخصومة السياسية، ويستدعي التنبيه إلى هذا الخطاب المأزوم. تلتف على الوقايع وعلى حقيقتها بتحويل العداء إلى السعودية. تتهرب من مواجهة طبيعتها الانقلابية وفشلها أو تعمدها الفشل في إدارة الشأن العام وسياسية التميز في تقديم الخدمات وصرف الرواتب.

تكمن مهمة الحوثية في تفعيل حروب الذاكرة وإحياء عداء جوهراني تجاه الجيران. وقد أصبحت حادثة تنومة نقطة الانطلاق المركزية لهذا العداء، بما تحمله من استدعاء دائم للمظلومية وتغذية للرغبة في الثأر.

يجب إيقاف هذا الخطاب عند حده، وتحجيم هذا القبح، ليس دفاعًا عن سياسات السعودية، وإنما حرصًا على علاقة شعبية يمنية سعودية أسمى من أحقاد الحوثية وأوهامها. كما يجب حماية الأجيال اليمنية من خطاب الثأر المتوهم، وبناء روح يمنية لا تنطلق من شعور أصيل بالانكسار، ولا تغرق في عقدة الاضطهاد، بل تؤمن بالندية والثقة بالنفس والمستقبل.