الكويت تتخلى عن نفسها. عن صورتها الجميلة التي صنعت بمشاركة عقول عربية عاشت فيها وحملت من أرضها مشروعا تنويريا وإنسانيا شمل العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه.
هؤلاء مدرسين مصريين وعرب تلفظهم الكويت، ولا غرابة ، فقد جردت كويتيين أباً عن جد من جنسيتهم بفعل أرعن ودونما سبب، إذا جاز القول أن سحب الجنسية أساسا يمكن تسبيبه.
كيف ننسى أن الكويت كانت حاضنة التنوير وملاذ الفكر؟
أتذكر ، كيف ساهم علماء قانون استقبلتهم الكويت، في تقديم صورة زاهية عنها ، مثل السنهوري باشا وزغلول النجار. وهما من كبار رجال القانون في مصر والبلاد العربية ، كتبوا الدستور الكويتي ، وساهموا في كتابة دساتير دول عربية عديدة من إقامتهم في الكويت.
من الكويت مر أحمد بهاء الدين، أحد كبار الصحفيين العرب ، الذي تولى رئاسة تحرير مجلة "العربي" الكويتية في عصرها الذهبي (1976 - 1984).
وقبله ، نقرأ في القائمة الرفيعة التي صنعت اسم الكويت ، الدكتور أحمد زكي عالم الكيمياء واللغوي الشهير، والمؤسس والرئيس الأول لتحرير مجلة "العربي" (1958 - 1975).
ساهم هذا المؤسس لمجلة العربي، بأسلوبه الأدبي العلمي في تشكيل هوية المجلة التي غدت جزءا من وجدان أجيال عربية عديدة وما زالت.
وهي واحدة من عناوين ثقافية ومعرفية جابت الوطن العربي من مشرقه إلى مغربه ، وجعلت من الكويت عاصمة للثقافة والفكر.
ومن أقترح أحمد. مي وأتى به من القاهره ؟
صانع مجلة العربي، أحمد السقاف، من أصل يمني
هو من سافر بنفسه إلى القاهرة عام 1957 مكلفاً من الشيخ صباح الأحمد (وزير الدائرة آنذاك) وأختار الدكتور أحمد زكي ليكون أول رئيس تحرير لمجلة "العربي".
وفي الكويت أسس رابطة الأدباء عام 1964، وظل أمينها العام لسنوات طويلة، وجعل منها منبراً يلتف حوله أدباء الخليج والعالم العربي.
وساهم في التخطيط لإطلاق السلاسل التنويرية التي غطت العالم العربي.
الكويت الباهيه كانت مقرونة بأسماء مثل الدكتور فؤاد زكريا، فيلسوف التنوير والعقلانية، وهو أستاذ الفلسفة الذي حل فيها، وعمل رئيسا لقسم الفلسفة بحامعة الكويت لسنوات طويلة، والمستشار الذي كانت مجلة "عالم المعرفة" انعكاسا لاختياراته وقراءاته واطلاعه على المشهد الفكري والفلسفي العالمي.
في قائمة الكويت الجميلة ايضا هناك الدكتور جلال أمين ، المفكر والاقتصادي المرموق، الذي عمل أستاذا للاقتصاد في جامعة الكويت، وكتب أهم تحليلاته الاجتماعية والاقتصادية حول التنمية والتنوير العربي خلال فترة إقامته فيها.
الكويت مرتبطة بهذه الخبرات والأسماء الرفيعة.
في القائمة نقرأ اسم الأستاذ زكي جمعة الفلسطيني المصري، الذي كان أحد أبرز رواد الحركة التعليمية المبكرة، الذين صاغوا المناهج الدراسية الأولى في الكتاتيب والمدارس النظامية مثل المدرسة المباركية والأحمدية قبل الاستقلال.
أتذكر ما كتبه الفنان محمد مرشد ناجي عن حواراته مع أحمد باقر أستاذ الموسيقى المصري الذين ساهم في تأسيس "المعهد العالي للموسيقى" في الكويت، وكان رئيسا له ، ودوره في تحويل المعهد إلى مركز لتدوين التراث الموسيقي الشعبي والكويتي وفق قواعد النوتة والمقامات العلمية.
ما الذي يحدث الان ؟
ما يحدث ان الكويت يتم تصفيتها تماما من الوعي والوجدان العربي والعالمي. تتلاشى كويت التنوير والثقافة، والسياسة الناضجة التي تقيم علاقاتها مع الشعوب ورجال الفكر والثقافة والقانون والعلم ، وليس فحسب مع الحكام ، لتحل محلها صورة اخرى مشوهة: تسحب جنسيات مواطنيها، تقطع صلتها بالقيم التي قدمتها يوما ما قي أبهى صورة.
ما فعله ديكتاتور عربي ارعن بغزوه للكويت ، كان فعل عدائي قبيح ، لكنه لم ينل من الكويت ولم يكن له اثر في صورتها ومكانتها مثلما تفعله قرارات كويتية اليوم
في زمن ازدهارها استقبلت الكويت اهم العقول العربية ، وهم من قدموها كدولة تنوير تفتح أبوابها لكبار المفكرين والأدباء
وفي زمن أغبر كهذا ، تطيش الكويت وتنبذ مواطنيها وتجردهم من جنسيتهم، وقبلهم وبعدهم تقطع روابطها بكل من كانوا جزءا منها وشاركوا في بناءها.





