الأربعاء، 9 سبتمبر 2026 | الموافق ٢٦ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ
الرأي

جبهة الغلاء.. معركة لا تقل ضراوة عن جبهات الحرب.

الفـسـاد عـائـق أمام الإصـلاح والنـهـض.

في الوطن، لم يعد غلاء الأسعار مجرد رقم يرتفع في قائمة السلع، بل أصبح عبئًا يوميًا يضغط على حياة المواطن، ويستنزف دخله، ويحوّل أبسط احتياجات الأسرة إلى معركة مفتوحة مع السوق.

وهنا يبرز سؤال مشروع، لا يحمل اتهامًا بقدر ما يحمل استحقاقًا وطنيًا: "أين وزارة الصناعة والتجارة من جبهة غلاء الأسعار؟"

فالوزارة ليست جهة تملك عصا سحرية لخفض الأسعار، وليست مسؤولة وحدها عن انهيار قيمة العملة أو ارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل، لكن هذا لا يعفيها من مسؤوليتها الأساسية في أن تكون عين الدولة على السوق، وصوت المستهلك، وحارسةً لقواعد المنافسة.

فالاختصاصات المعلنة للوزارة تشمل: "مراقبة الأسواق والأسعار، وحماية المستهلك، ومكافحة الغش والاحتكار، ومتابعة إشهار الأسعار، ورصد حركة السوق، وإعداد الدراسات المتعلقة بالأسعار".

ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس حملةً موسميةً تنتهي بانتهاء المناسبة، ولا نزولًا إعلاميًا إلى الأسواق، وإنما حضورٌ مؤسسيٌ دائمٌ يشعر به المواطن قبل أن يقرأ عنه.

المواطن لا يريد أن يسمع أن الأسعار تحت الرقابة؛ يريد أن يرى أثرًا لهذه الرقابة في فاتورة مشترياته.

ولا يريد أن يعرف أن الوزارة تتابع الأسواق؛ يريد أن يعرف أن التاجر الذي يرفع السعر بلا مبرر، أو يخفي سلعةً، أو يمارس الاحتكار، أو يستغل حاجة الناس، سيجد أمامه قانونًا لا يترك السوق للفوضى.

وهنا تكمن أهمية الوزارة في هذه المرحلة؛ أن تنتقل من رد الفعل إلى إدارة السوق بالمعلومة والرقابة والشفافية.

فلا يكفي أن تسأل الوزارة: كم أصبح سعر السلعة؟ بل عليها أن تسأل أيضًا: لماذا ارتفع؟ ومن رفعه؟ وما تكلفة استيراده؟ وما سعر صرف العملة عند الشراء؟ وما هامش الربح؟ وهل الزيادة حقيقية أم مصطنعة؟ وهل هناك احتكار أو تخزين أو تلاعب في سلسلة التوريد؟

هذه الأسئلة هي التي تصنع الرقابة الحقيقية.

كما أن المواطن يحتاج إلى مرجعية سعرية واضحة ومعلنة للسلع الأساسية، وإلى آلية سهلة وفعالة لتقديم البلاغات والشكاوى، وإلى نتائج معلنة للإجراءات المتخذة بحق المخالفين؛ لأن الرقابة التي لا يرى المواطن نتائجها تتحول مع الوقت إلى مجرد إجراء إداري.

وقد أعلنت الوزارة في وقت سابق عن خطط للنزول الميداني وتشديد الرقابة على الأسواق، وهو اتجاه صحيح، لكن التحدي الحقيقي هو تحويل هذه الجهود إلى منظومة مستدامة لا ترتبط بموسم أو أزمة أو توجيه عابر.

وفي المقابل، ينبغي ألا تتحول مواجهة الغلاء إلى خصومة مع القطاع التجاري؛ فالتاجر جزء من الاقتصاد، والقطاع الخاص شريك في توفير السلع وتحريك السوق، لكن الشراكة الاقتصادية لا تعني إطلاق يد أحد في الإضرار بالمستهلك.

فالسوق الحر لا يعني السوق المنفلت، والدولة لا تتدخل لتحديد كل سعر، وإنما تتدخل عندما تختل قواعد المنافسة، أو يصبح الاحتكار وسيلةً للثراء على حساب الناس، أو يتحول ضعف الرقابة إلى فرصة للتلاعب.

إن معركة الأسعار تحتاج إلى تعاون بين وزارة الصناعة والتجارة، والبنك المركزي، والسلطات المحلية، والجهات الأمنية والقضائية، والغرف التجارية، والمجتمع المدني؛ لأن السعر النهائي الذي يدفعه المواطن هو حصيلة سلسلة اقتصادية كاملة، ولا يمكن معالجة اختلالاتها من طرف واحد.

لكن تبقى وزارة الصناعة والتجارة هي الجهة التي ينبغي أن تكون في مقدمة هذه الجبهة؛ لأنها الأقرب إلى حركة السوق اليومية، والأكثر التصاقًا بحقوق المستهلك.

ولذلك، فإن السؤال: "أين وزارة الصناعة من جبهة غلاء الأسعار؟" ليس سؤالًا عن الغياب بقدر ما هو سؤال عن حجم الحضور المطلوب.

نريد وزارة ترى السوق قبل أن يراه المواطن في فاتورته، وتقرأ مؤشرات الغلاء قبل أن تتحول إلى أزمة معيشية، وتواجه الاحتكار قبل أن يصبح أمرًا واقعًا، وتضع المواطن في قلب سياستها التجارية.

فالدولة لا تُقاس فقط بما تملك من قوانين، وإنما بقدرتها على جعل القانون حاضرًا في حياة الناس.

وفي زمن يزداد فيه العبء على المواطن، تصبح حماية قدرته الشرائية ليست عملًا إداريًا هامشيًا، بل مسؤولية وطنية واقتصادية وأخلاقية.

فليكن للوزارة حضورها في جبهة الأسعار؛ لأن المواطن لا يملك رفاهية الانتظار، ولا يحتمل أن تتحول لقمة عيشه إلى سوق مفتوح للمضاربة.

وعلى الحكومة أن تضع نُصب عينيها النصر في جميع الجبهات؛ جبهات الميدان وجبهات السوق، فالمعركة واحدة والهدف واحد: كرامة المواطن.