الخميس، 20 أغسطس 2026 | الموافق ٦ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ
الرأي

حكومة شائع الزنداني بعد ستة أشهر ونصف قراءة في الأداء والإنجازات والتحديات

الحوثيون واستدعاء الحرب: من جلب القصف إلى التنكر له"

في ستة أشهر ونصف من عمر حكومة الزندان،ي لم تشهد اليمن معجزة ولن تشهدها لأن المعجزات لا تأتي على رماد المدن ولا في زمن تنهشه المليشيات، لكن ما حدث ربما يكون أكثر أهمية من المعجزة الزائفة، لقد حدث تحول في العقل الحكومي نفسه من ثقافة الارتجال إلى ثقافة التخطيط، ومن منطق ردة الفعل إلى منطق المؤسسة ،وهذا وحده في بلد كان على شفا الانهيار يعادل انتصاراً صغيراً لكنه حقيقي.

في ملف الكهرباء الذي تحول إلى مقياس لصدق أي حكومة، لم يكتف شائع الزنداني بالوعود التي حفظناها عن ظهر قلب ممن سبقوه ،بل مضى إلى اتفاقية دعم سعودي بمئات الملايين لتدفق الديزل والمازوت إلى سبعين محطة توليد في مختلف المحافظات المحرره تقريبا، كما أضاف محطات إسعافية في عدن وحضرموت خفضت ساعات الانقطاع في ذروة الصيف.

ورغم ذلك فإن الذي يعرفه المهتمون حقاً أن مشكلة الكهرباء ليست وقوداً فقط، بل هي بنية تحتية دمرتها الحروب وسياسات الإهمال لعقود، لذلك ذهبت الحكومة إلى خطة استراتيجية شاملة أقرها المجلس الأعلى للطاقة برئاسة الزنداني نفسه،.

تشمل إعادة تأهيل شبكات النقل والتوزيع إلى جانب التحول التدريجي نحو الطاقة الشمسية ،وهو توجه ذكي يقلل الاعتماد على النفط المستورد ويخفف الضغط عن الموازنة التي تعاني أصلاً من العجز ،وفي الوقت نفسه طرحت الحكومة مشروعاً طموحاً لإنشاء محطة غازية بقدرة ألف ميغاواط بالشراكة مع القطاع الخاص .

وهو حل قد يبدو بعيداً لكنه الوحيد القادر على كسر الحلقة المفرغة بين ضعف التوليد وارتفاع الطلب، ولكن يبقى السؤال الأعمق هل يمكن لإصلاح كهربائي أن ينجح في غياب إصلاح مالي يعيد توزيع الإيرادات ويوقف نزيف الفساد

هنا يأتي الملف الثاني الأكثر تعقيداً والأكثر حسماً في مصير التجربة كلها ،وهو الإصلاح المالي والمؤسسي ،فالحكومة استطاعت في خطوة غير مسبوقة منذ سنوات الحرب أن تنجز أول موازنة منتظمة تعيد للدولة أدوات التخطيط المالي، بعد أن كانت الميزانية مجرد كشوف تقديرية لا تنفذ ولا ترقب.

وقد ارتبط هذا الإنجاز بدعم سعودي استثنائي تجاوز المليار ومائتي مليون ريال، غطى عجز الموازنة وأمن صرف رواتب مليون ومائتي ألف موظف بانتظام ،وهو ما شكل ركيزة أساسية لاستعادة الحد الأدنى من الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة .

لكن الثقة وحدها لا تكفي طالما أن الإيرادات المحلية لا تزال ضعيفة، بسبب تراجع الصادرات النفطية وتعطل الموانئ وهجمات الحوثي التي تستهدف الملاحة في البحر الأحمر، لذلك وضعت الحكومة خطة طوارئ لتعزيز التحصيل الجمركي والضريبي ،ومكافحة التهريب عبر تفعيل هيئات الرقابة وتشكيل لجان تنسيقية مع القضاء والأمن .

وكل هذا يصب في اتجاه واحد هو إعادة تعريف الدولة من كيان مستهلك إلى كيان منتج، قادر على تغطية جزء من نفقاته دون انتظار المعونات التي تأتي بشروط وفي الوقت نفسه أجرت الحكومة تعديلاً وزارياً في يوليو ،شمل حقائب التخطيط والخارجية والإدارة المحلية وهو تعديل محدود، لكنه حمل رسالة أن التجديد ليس رفاهية بل ضرورة في زمن يتطلب السرعة والكفاءة.

وهذا كله جميل لكن يبقى الظل الثقيل للفساد المتراكم الذي حول المال العام إلى غنيمة والوظيفة العامة إلى إرث، والمرافق الحكومية إلى شبكات محسوبية، وهو الملف الذي ينتظر من هذه الحكومة أكثر من خطط ،فالحكومة التي لا تحاسب المتورطين في أكل المال العام لن تكون مختلفة عن سابقاتها حتى لو اجتهدت في وضع الموازنات

إن الربط بين هذين الملفين هو الربط بين البنيان السياسي والحياة اليومية، فالكهرباء هي عصب الإنتاج وأول متطلبات العيش الكريم، وهي التي تحدد ما إذا كانت المصانع ستعمل والضخ سيتواصل والإنترنت سيبقى في البيوت ،لكن الكهرباء تحتاج تمويلاً، وهذا التمويل لا يأتي إلا من مالية سليمة وإدارة رشيدة للدولة .

وهذا الإدارة لا تتحقق من دون حوكمة ومكافحة فساد، وهذه الحوكمة بدورها تحتاج إلى إرادة سياسية قادرة على مواجهة النافذين والمستفيدين من الفوضى ،وهكذا نجد أنفسنا أمام معادلة دائرية لا يمكن كسرها بخطة منفردة بل بفهم ،أن الدولة ليست مجموعة مؤسسات تنتج ،خدمات بل هي عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم إنها علاقة ثقة تتجدد بالفعل لا بالوعد

وعلى المستوى السياسي وقفت الحكومة أمام تحدٍ لا يقل صعوبة عن الكهرباء والمال ،وهو استحالة السلام مع شريك يرفض أن يكون شريكاً ،فقد مد الزنداني يده للحوار كما قال لكنه وجد أن الحوثي لا يريد دولة بل يريد سلطة فردية، تستخدم الحرب شرعية لها وهي تدرك أن السلام سيكون نهايتها .

لذلك لم تفلح المرونة الحكومية في اختراق جدار التعنت، بل زادته إصراراً على استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر، وكأنها تقول للعالم إنها لن تسمح لأي استقرار أن يولد بينما هي موجودة ،في المقابل حاولت الحكومة أن تقول كلمة صريحة عن القضية الجنوبية ،حين دعا الزنداني الجنوبيين أنفسهم إلى حوار داخلي لتحديد مستقبلهم بعيداً عن الاستعلاء أو التجييش.

لكن من الصعب أن تتحقق هذه الدعوة في غياب إطار وطني شامل ،يضع القضية الجنوبية في سياقها الطبيعي كجزء من حل الدولة لا كأداة للتفكيك

في المحصلة ما أنجزته حكومة الزنداني حتى الآن هو تأسيس لعقل الدولة بعد غياب ،وبداية لترميم ما دمرته الحرب، لكن هذه البدايات تظل هشة طالما أنها لم تترجم بعد إلى تغيير ملموس في حياة الناس اليومي.

فالمقاييس الحقيقية ليست في عدد الاتفاقيات الموقعة أو قيمة الدعم المستلم، بل في أن يشعر المواطن أن الضوء عاد إلى بيته وأن الحكومة تقف معه لا فوقه، وأن العدالة ليست كلمة في البيانات بل فعل في الميزانيات والمحاكمات.

وهذا التحول يحتاج إلى وقت أطول من ستة أشهر ونصف، لكن الأهم أنه يحتاج إلى إرادة داخلية لا تعتمد على الدعم الخارجي وحده ،والتحدي الأكبر الذي يواجه هذه الحكومة ليس الحوثي فقط بل الفساد والتبعية والثقافة ،التي تقول إن الدولة حلم لا يتحقق.

والخلاصة أن حكومة الزنداني فعلت الشيء المطلوب في زمن قياسي لكنها لم تفعل كل شيء، وهي أمام مرحلة جديدة ستحدد فيها الأفعال لا الأقوال، مصيرها ومصير اليمن كله، فإما أن تكون هذه الحكومة هي البداية الحقيقية للنهضة، أو تكون مجرد محطة أخرى في مسار طويل من الإحباط ،وحدها الأيام القادمة وحدها المواطن الذي ينتظر الفعل لا الخطاب من سيمنحها الشرعية الحقيقية.