يقود الحديث عن السلام في اليمن، في لحظة الصراع هذه، إلى نوع من الإلزام الأخلاقي المعتل؛ إذ يجري، وفق أطر الجدل المطروحة، تقسيم المنخرطين في النقاش إلى فسطاطين: أخيار، هم دعاة السلام، وأشرار، هم الذين يرفضون هذا الخطاب أو يتحفظون عليه.
وتكمن مشكلة هذا التصنيف في أن النقاش، من زاوية دعاة السلام، بمختلف مشاربهم وانتماءاتهم واهتماماتهم وانشغالاتهم، يُفرض غالبًا من خلال فصل الحرب عن جذورها ومنابتها ودوافعها، ثم رفع الحديث عنها إلى سقف إنسانوي وتجريدي يحول، في نهاية المطاف، دون فهم الحرب في اليمن أولًا، ودون الإسهام في إرساء قواعد سلام ممكنة وقابلة للحياة ثانيًا.
وبهذا، فإن النقاش حول الحرب أو السلام في اليمن، حين يُفرض بهذه القاعدة، لا يساعد على فهم إمكانيات مساعدة اليمن على الخروج من الحرب وإرساء السلام، بقدر ما يعمل على إنتاج إدانة مسبقة، ثم البحث عن الوقائع التي تؤكدها.
لكن كيف تتم عملية العسف هذه؟
إنها عملية مركبة، تتراوح بين الانخراط في السجال السياسي الوطني وبين الفرار إلى المعايير الإنسانوية المجردة.
في المستوى الأول، تُقدَّم دفوع ذات طابع سياسي من خلال إعادة فرز الوطنية وفق قيم سيادوية ضيقة: الحرب ليست، أو لم تعد، يمنية، وإنما هي حرب مصالح لأطراف خارجية؛ والحرب ليست حرب اليمنيين، بل حرب يخوضها اليمنيون بوصفهم ضحايا لإرادات خارجية سيئة؛ والحرب، وفق هذا التصور، انتقلت من حرب عادلة ذات مضمون وطني إلى حرب أهلية ممولة ومُدارة بالمال الخارجي.
ثم يجري الانتقال مباشرة إلى الحديث عن الثمن الباهظ للحرب.
وبعد ذلك يظهر الثمن الإنساني والمادي والسياسي للحرب وكأنه نتيجة لانحراف المعركة، أو نتيجة للتدخل الخارجي، وليس باعتباره كلفة ملازمة للحرب نفسها؛ أي لكل حرب، في أي زمن ومكان، وإن كانت هذه الكلفة تتفاوت بطبيعة الحال بحسب طبيعة الحرب وأطرافها وأهدافها ووسائلها.
المشكلة هنا ليست في الحديث عن الكلفة الإنسانية للحرب، ولا في إدانة ما تخلّفه من ضحايا ودمار؛ فذلك أمر لا يحتاج إلى جدل. المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الكلفة إلى مدخل لإلغاء السؤال السياسي الذي سبق الحرب، وإلى وسيلة لفصل النتائج عن أسبابها، أو لفصل الحرب عن سياقها التاريخي والسياسي والعقائدي.
كان يمكن، بدل ذلك، الارتكاز على مرتكز سياسي وطني واحد، ثم بناء النقاش انطلاقًا منه، بحيث يُعاد تعريف الحرب اليمنية على أساس سياسي وطني، لا على أساس مجرد كونها مأساة إنسانية.
فالحرب تأخذ دلالات مختلفة حين نفهم أبعادها التاريخية، ودوافعها العقائدية، والمسار الذي قطعه الصراع قبل أن يصل إلى صورته الحالية. وعندها فقط يصبح ممكنًا أن نضع أمامنا المفاضلة الحقيقية: بين ثمن التقاعس عن خوض معركة وطنية للتحرر من الاستبداد والكهنوت والمركزية المناطقية والمذهبية، وبين ثمن خوض هذه المعركة وتعبئة الموارد اللازمة لها، ثقافيًا وسياسيًا وروحيًا، قبل أن تكون ماديًا وعسكريًا.
هذه المفاضلة لا تعني تمجيد الحرب لذاتها، ولا إنكار كلفتها، وإنما تعني رفض النظر إليها خارج السؤال الذي أنتجها: ما الذي كان ينبغي فعله لمواجهة المشكلة السياسية التي سبقت الحرب؟ وما الذي كان يمكن أن تكون كلفته لو لم تُخَض؟ وهل يمكن أصلًا أن نطلب من طرف يخوض صراعًا وجوديًا أن يتعامل مع السلام باعتباره قيمة مجردة منفصلة عن سؤال النتيجة؟
هذا المنطق المزدوج، بطبيعته النفعية والأداتية، يكشف اعتلالًا في التشخيص، ومن ثم في التقييم، وصولًا إلى عجز عن اقتراح حل منطقي.
فدعوة السلام في لحظة حرب فيها جبهات، ومعتدٍ ومعتدى عليه، دون فتح مسار سلام قابل للتطبيق، ينطلق من دفع الأطراف المنخرطة في الصراع إلى مراجعة أدوارها ومواقفها ومسؤولياتها، ليست في واقع الأمر دعوة إلى السلام، وإنما تتحول إلى دعوة للاستسلام.
ذلك أن خطابًا كهذا يوجَّه في اتجاه واحد: إلى المستضعف أو المعتدى عليه، ويطالبه بخفض كلفة الحرب والانسحاب منها، بينما لا يملك الصدى نفسه، ولا الأدوات نفسها، ولا حتى القابلية نفسها، داخل صفوف الطرف الذي يُنظر إليه باعتباره المعتدي.
وهنا تظهر مفارقة أساسية.
تنطلق دعوة السلام غالبًا من مناطق الحكومة الشرعية، وتقترن بتشخيص لأدائها ووصمها بالفساد والعمالة والتبعية الخارجية، لكن الدعوة ذاتها لا تستطيع أن تنطلق بالفاعلية نفسها من مناطق الحوثيين، ولا تستطيع، في السياق ذاته، أن تقدم تشخيصًا لأدائهم، أو نقدًا لفسادهم، أو مساءلة لبنية السلطة التي أقاموها، ثم تطلب من الجميع الدخول في حوار متكافئ.
فما هي إذن النتيجة السياسية المنتظرة من خطاب سلام يُحمّل طرفًا واحدًا بصورة شبه دائمة مسؤولية مراجعة الذات؟
الأمر الآخر يتعلق بمفهوم التدخل الخارجي.
فعند الحديث عن التدخل الخارجي في الحرب اليمنية، ينحرف المعنى في كثير من الأحيان إلى دلالة ضيقة تختزل التدخل في التدخل السعودي، إذا اعتبرنا أن بدايته الرسمية كانت في مارس 2015، مع التغافل عن التدخل الإيراني الذي سبق ذلك بسنوات، عبر التمويل والتدريب والتجهيز ونقل الخبرات، وبما ترك أثرًا فعليًا في مسار المعركة وفي موازين القوة.
والسؤال هنا ليس: هل التدخل السعودي تدخل خارجي؟ فهذا بديهي. وإنما السؤال: لماذا يجري تعريف التدخل الخارجي بطريقة انتقائية؟ وكيف يمكن فهم أثر التدخلات الخارجية إذا أخذنا في الاعتبار تعددها وتناقضها وخصوماتها، بدل وضعها جميعًا في سلة واحدة أو اختزالها في طرف واحد؟
فالتدخل الخارجي ليس متغيرًا واحدًا في هذه الحرب، ولا يمكن فهمه بوصفه فعلًا أحادي الاتجاه. هناك تدخلات متعارضة، ومصالح متناقضة، وأطراف خارجية لا تتحرك بالضرورة وفق الهدف نفسه، بل قد تستخدم الحرب اليمنية في صراعات أوسع من اليمن نفسه.
أما النقطة الثالثة في هذه الدعوة، فهي قراءة الصراع قراءة طبقية ــ وهو، في جانب منه، كذلك ــ والنظر إليه بوصفه صراعًا يُثري فيه البعض بدم الفقراء.
لكن إذا اتفقنا على هذا التشخيص، فإن النتيجة المنطقية لا ينبغي أن تكون دعوة الطبقة المسحوقة إلى الانسحاب من المعركة بحجة أنها حرب لا تخصها. ذلك غير ممكن أصلًا.
فالطبقة الفقيرة ليست متفرجًا على الصراع، وإنما هي موضوعه الأساسي، وميزان قوته، وأكبر متلقي لنتائجه. الحرب تُخاض فوق أجسادها ومواردها، والسلام الذي سيأتي لاحقًا سيعيد توزيع السلطة والثروة والمواقع على حسابها أو لصالحها.
ومن ثم، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: كيف نُخرج الطبقة الفقيرة من الصراع؟ وإنما: كيف نمنع تحويلها إلى وقود للصراع؟
وهنا يمكن أن تتحول المسألة من دعوة هذه الطبقة إلى الانسحاب إلى دعوتها لتكوين كتلة اجتماعية وسياسية تدافع عن حقها وموقعها ومصالحها.
أي أن تتحول من موضوع للصراع إلى فاعل فيه، ومن مادة تستخدمها القوى المتصارعة إلى قوة تفاوضية وسياسية تمتلك القدرة على التأثير في مآلاته.
المطلوب، بهذا المعنى، ليس أن تبقى الطبقة المسحوقة خارج السياسة، وإنما أن تدخلها بشروطها؛ وأن تتحول إلى صاحبة قرار في مصيرها، وأن تتبلور داخلها مراكز القوة والتمكين السياسي والاجتماعي، بما يجعل نهاية الصراع أقرب إلى تحقيق مصالحها، لا إلى إعادة إنتاج القوى التي استخدمتها وقودًا للحرب.
فالسلام الذي لا يغيّر موقع المستضعفين في معادلة السلطة والثروة ليس بالضرورة نقيضًا للحرب؛ قد يكون، في بعض الحالات، مجرد إعادة ترتيب لشروط الصراع وتأجيلًا لانفجاره.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نريد الحرب أم السلام؟
من الصعب أن يختلف أحد مع السلام بوصفه قيمة إنسانية. السؤال السياسي الأهم هو: أي سلام؟ ولمن؟ وعلى أي شروط؟ ومن يملك القدرة على فرض شروطه عند نهاية الحرب؟ وهنا تحديدًا ينبغي أن يبدأ النقاش.
لنأتي إلى جوهر القضية؛ رفض الحرب. رفض الحرب، بعد هذه الخطوة من الانخراط السياسي السيادوي، على أساس تجريدي وإنسانوي، يمثل هروبًا مزدوجًا من السؤال.
فهو، أولًا، هروب من الإطار السياسي الوطني الذي ينبغي أن تتضافر داخله أسئلة العدالة والحق والديمقراطية والصراع الطبقي ورفض الاستبداد، لا أن تُستبدل هذه الأسئلة جميعًا بحكم أخلاقي مجرد على الحرب.
وهو، ثانيًا، هروب من حقيقة الصراع نفسها: من مكنونات الخير والشر في النفس البشرية، ومن حقيقة أن النزاع على السلطة والمصالح والقيم ليس طارئًا على الاجتماع البشري، ومن الثابت التاريخي للحرب بوصفها إحدى صور الصراع التي رافقت المجتمعات البشرية ولم تنشأ في اليمن ولا في عصرنا الحالي.
وهذا لا يعني أن الحرب قدر محتوم، ولا أن ديمومة الصراع تبرر الحرب أو تمنحها شرعية أخلاقية. وإنما يعني أن التفكير في السلام لا يمكن أن يبدأ من إنكار طبيعة الصراع، ولا من افتراض أن مجرد إعلان رفض الحرب يكفي لإنتاج السلام.
فحين ننتقل من تعريف الحرب بوصفها مؤامرة خارجية أو انحرافًا عن الوطنية، إلى رفضها بوصفها شرًا إنسانيًا مجردًا، نكون قد انتقلنا من اختزال سياسي إلى اختزال أخلاقي، دون أن نقترب خطوة واحدة من السؤال الذي يهم: كيف نفهم الصراع كما هو، ثم كيف نغيّر شروطه بحيث يصبح السلام ممكنًا وعادلًا وقابلًا للاستمرار؟
المشكلة إذن ليست في رفض الحرب من حيث المبدأ، وإنما في تحويل هذا الرفض إلى موقف معرفي يغلق باب التفكير في أسبابها وشروطها ووظائفها وموازين القوة التي أنتجتها.
فالسياسة التي تتجاهل الطبيعة الصراعية للمجتمع تهرب من الواقع، والأخلاق التي تتجاهل السياسة والتاريخ تهرب منه أيضًا. وبين الهروبين تضيع إمكانية بناء موقف يجمع بين رفض الاستبداد، والدفاع عن العدالة والحق والديمقراطية، وفهم الصراع الطبقي، والاعتراف في الوقت نفسه بأن الصراع لا يختفي بمجرد إدانته أخلاقيًا، وأن السلام لا يُبنى بإلغاء السياسة وإنما بإعادة تنظيمها.





