مع إشراقة كل موسم دراسي جديد، تتجدد في وجدان المجتمع الإنساني والتربوي في ربوع الجمهورية اليمنية تلك الحكاية المريرة التي باتت تتصدر المشهد مطلع كل عام؛ متمثلة في شح وغياب الكتاب المدرسي عن مقاعد الدراسة في المحافظات المحررة.
وحين يغيب هذا الصديق الورقي، تتوقف عجلة البدايات السليمة، وتتخبط خطى الطلاب والمعلمين في فراغٍ معرفي قاتم. فالكتاب المدرسي ليس مجرد وعاء لجمع الكلمات أو سطور مرصوصة، بل هو الجسر المتين الذي يعبر به النشء نحو ضفة الوعي والنور، وغيابه في مطلع العام يُمثّل جرحاً نازفاً في جسد المنظومة التعليمية برمتها، يعمق جراح الوطن ويعطل طاقات شبابه.
إن الأهمية البالغة للكتاب المدرسي تتجلى بوضوح جلي لكل المراحل التعليمية والتربوية بصورة عامة؛ فهو المرجع الآمن والبوصلة الثابتة التي تقي العملية التعليمية من عشوائية الاجتهادات وتشتت الوسائط الرقمية غير المأمونة في زمننا المفتوح.
حيث إن الكتاب المدرسي يرسخ أسس العدالة وتكافؤ الفرص بين المتعلمين في مختلف المديريات والمحافظات المحررة، ليجد الطالب الفقير والغني ذات المحتوى المعرفي بين يديه، مما يحقق الانضباط الفكري ويمنح العملية التعليمية هيبتها واستقرارها المعهود. وبدونه، تتحول فصول الدراسة إلى هياكل فارغة تفتقر إلى أدنى مقومات الفعل التعليمي الحقيقي، وتتساوى فيها أروقة المدارس مع غياهب الجهل.
وإذا كان غياب الكتاب مزعجاً في المراحل المتقدمة، فإنه يتحول في الصفوف الأولية (1-3) إلى كارثة تربوية وخطب جلل. فهذه المرحلة العمرية والتعليمية الحساسة تمثل عتبة التأسيس الأولى في حياة الطفل العقلية والنفسية .
حيث أن الطفل في هذه السن الغضة يبني عاطفته الأولى تجاه المدرسة والمعرفة من خلال ملامسة الكتاب، وتأمل ألوانه ورسومه، وتتبع حروفه بأصابعه الصغيرة؛ وغياب الكتاب يغتال فيه شغف البدايات، ويخلق لديه اغتراباً مبكراً عن البيئة المدرسية.
ناهيك عن أن مهارات القراءة والكتابة والتهجي والخط والرياضيات، تعتمد بصورة كلية على التفاعل المباشر والتطبيقي داخل صفحات الكتاب المدرسي، وهو ما تعجز الشاشات والوسائل البديلة عن تعويضه في هذه المرحلة الحرجة.
إن شعور التلميذ المستجد بامتلاك كتابه الخاص بين يديه، يمنحه شعوراً بالانتماء والفخر، ويضعه على الجادة السليمة للتعلم الذاتي.
ومن هذا المنطلق التربوي والوطني النبيل نرفع هذه المناشدة العاجلة إلى صناع القرار في المناطق المحررة، ونظراً لما تشهده الأسر اليمنية والمدارس من هواجس مقلقة وقلق بالغ ،مع استمرار هذا الغياب المؤلم.
فإننا نرفع أصواتنا بنداء صادق ومناشدة عاجلة إلى رئاسة مجلس الوزراء ، وإلى وزارة التربية والتعليم وكافة الجهات ذات العلاقة في الجمهورية اليمنية، لنقول لهم بصوت الضمیر الحي: "إن توفير الكتاب المدرسي للطالب في المناطق المحررة ليس مجرد إجراء إداري عابر.
بل هو أمن قومي تعليمي، وحق دستوري وإنساني مقدس ،لا يقبل التسويف أو التأجيل.
إننا نناشدكم بضمائركم الحية ومسؤوليتكم التاريخية والأخلاقية تجاه أجيال الغد التي تقاسي مرارة الظروف، أن تضعوا حداً نهائياً لهذه الأزمة المتجددة، وأن تستنفروا الطاقات لتأمين وتوزيع الكتب المدرسية ولا سيما كتب الصفوف الأولية قبل أن تضيع ملامح البدايات، وتتأطر عقول أطفالنا بفراغ لا تُحمد عقباه."





