لا أعرف أي عقل سياسي يقف خلف ما تفعله السعودية في اليمن، ولهذا لا أجد أمامي إلا سؤالا واحدا يتكرر بإلحاح: هل تعرف الرياض شيئا لا نعرفه، أم أنها لا تعرف شيئا مما ينبغي أن تعرفه؟.
فما يجري منذ اثني عشر عاما لم يعد خطأ عابرا في التقدير، ولا تعثرا في تنفيذ خطة، ولا مجرد سوء إدارة لملف شائك. نحن أمام مسار سياسي كامل: إضعاف للدولة، تعطيل للشرعية، تفكيك للجيش، تعدد للمليشيات، وتوزيع لمراكز القوة، حتى أصبح اليمن الذي يفترض أن يكون خط الدفاع الأول عن أمن المملكة هو نفسه أكثر هشاشة وأكثر قابلية للاختراق من أي وقت مضى..
فالسعودية لم تواجه مشروع المليشيات في اليمن ببناء الدولة، وإنما دخلت في لعبة المليشيات نفسها. وبذلك تحولت الحرب من معركة بين دولة ومشروع مسلح إلى سوق مفتوحة للقوى المسلحة، لكل منها ممولها وحساباتها وامتداداتها..
ما قامت به السعودية ومازالت تقوم به ليس هزيمة للحوثي، بل هزيمة لفكرة الدولة. فإذا كانت الرياض قد فعلت ذلك ظنا منها أنها ستظل قادرة على الإمساك بكل الخيوط، فهنا تبدأ الكارثة!.
لأن المليشيا التي تبنيها اليوم لتواجه بها خصما ستصبح غدا خصما لها.
وليس ما حدث بين فاغنر والكرملين بعيدا عن الذاكرة. فالقوة التي نمت خارج المؤسسة العسكرية الروسية، واحتاجت إليها الدولة في الحرب، انتهت إلى التمرد على القيادة العسكرية، ثم الزحف المسلح باتجاه موسكو، ليكتشف بوتين، أن القوة التي تعمل خارج المؤسسة قد تحولت من ذراع للنظام إلى تهديد للنظام نفسه. .
وإذا لم تتعلم السعودية من فاغنر أن السلاح الخارج عن المؤسسة سيعود يوما إلى صدر المؤسسة التي احتضنته، فربما تتعلم الدرس متأخرا، عندما تصبح المليشيات التي صنعتها هي نفسها القوة التي تبتزها ..
يبدو أن الرياض تراهن على أن بإمكانها شراء الهدوء من الحوثيين، لكنها لا تدرك أن من يشتري الهدوء من مشروع عقائدي لا يمكنه أن يشتري السلام، بل يشتري هدنة، والهدنة ليست نهاية الحرب. إنها فقط اللحظة التي يعيد فيها الخصم ترتيب أدواته..
وقد تكون أخطر نتيجة لمسار السنوات الماضية أن تصبح السعودية نفسها، يوما ما، أمام يمن لا تستطيع توحيده، ولا تستطيع تفكيكه أكثر، ولا تستطيع شراء ولائه، ولا تستطيع تحمل فوضاه..
فهل في الرياض من يرى هذه النهاية؟
أم أن أبصار صانعي القرار هناك قد أعماها طول البقاء في الأزمة، حتى صاروا يرون استمرار الطريق دليلا على صوابه.. ذلك هو السؤال الذي يقلقني. لا لأنني أعرف الإجابة، بل لأنني أخشى أن تكون الإجابة نفسها هي ما لا نريد أن نعرفه..





