الانتصارات العسكرية السريعة التي يحققها اليوم جيش الحكومه الشرعيه في الميدان، ليست سوى النتيجة الظاهرة لتأكل بطيء داخل بنيان تراكم على مدى سنوات، داخل بنيه جماعة الحوثي .
وهذا التآكل يجعل الجبهات اليوم تتحول إلى واجهة تخفي خلفها عجز الجماعه عضويا عن الاستمرار، فالتاكل الذي نتحدث عنه ليس وليد لحظة معينة ،يمكن للجماعة التقاطها بسهولة ومعالجتها بقرار سريع.
ومن هذا المنطلق لم تعد أزمة جماعة الحوثي مجرد تراجع ميداني على جبهات القتال، أو خسارة معركة عسكرية هنا وهناك. الأزمة اليوم أعمق من ذلك بكثير؛ فهي تتجاوز تفاصيل هزائمها العسكريه في الجبهات الى اشبة لتحول التأكل البطئ المتراكم الى الانهيار الصامت في شروط بنية الجماعة ذاتها.
التحدي الحقيقي الذي يواجه الحوثيين لم يعد كيف يصمدون امام جيش الحكومه الشرعيه؟ بل أصبح السؤال الأكثر قسوة عليهم. كيف يؤمّنون خروجهم قبل فوات الأوان؟ فخلال السنوات الماضية فقدت الجماعة، تدريجياً وعلى مدى محطات متتابعة، اهم شروط وجودها الأساسية: الموارد تنضب، وشرعية الامرالواقع تآكلت، والحاضنة الاجتماعية تتصدّع من الداخل.والحليف الايراني محطم عاجز عن المساعده
هنا يقع الحوثيون في فخ نفسي وسياسي معروف في علم القرار باسم "التكلفة الغارقة": فبدلا من التفكير فيما يمكن إنقاذه مستقبلا، يظلون أسرى ما حققوه في الماضي، وكأن الاستمرار في الحرب قادر على تخليدهم سلطه امر واقع .
لكن هذا الحساب لم يعد يعمل فالاستمرار في القتال اليوم لا ينتج ديمومه البقاء كما كان بالغد ،بل في لحظه ما يتحول الى حاله ارتداد على الجماعه ،يضاعف من قوة جيش الشرعيه ،ويدفع الجماعه الى نهايتها ،فالزمن هنا ليس وعاءً محايدا. كل يوم إضافي من الحرب لا يضيف إلى رصيد الصمود، بل ينقص من القدرة على التفاوض، ويضيّق هامش المناورة، ويحرم الجماعة تدريجيا من حق اختيار شروط خروجها.
وتبرز هنا المعضلة الأكبر: المسارات السياسية التي كانت تتيح شراكة أو تسوية ،تحفظ للجماعة بعض مصالحها لم تُغلق كلها بفعل الضغوط الخارجية، بل أغلق الجماعة بعضها بنفسها، قراراً تلو الآخر، حتى تحولت العزلة من ظرف مؤقت إلى مسار سياسي متراكم يصعب قلبه.
وفي الطرف الآخر من المعادلة تقف المدن اليمنية. من صنعاء إلى مناطق التماس، تتحول المدن وسكانها إلى رهائن لهذا الرهان العسكري والسياسي: اقتصاد ينهار، ومعيشة تتدهور، ومجال عام يضيق، وقمع أمني يجعل المجتمع يدفع يوميا تكلفة استمرار حرب لا يملك قرارها.
لذلك لم يعد الحديث عن تسوية سياسية في هذه المرحلة مجرد سعي لمكسب سياسي محتمل، بل أصبح محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل بلوغ نقطة يصبح فيها الانهيار أكبر من قدرة أي طرف على التحكم بنتائجه. وهنا يتحول الوقت نفسه إلى عامل حاسم في المعادلة.
المشكلة الأخطر ليست في حتمية الهزيمة وحدها، بل في الفارق الدقيق بين "المغادرة" و"الإخراج".
فالمغادرة تعني أن الجماعة تتنبه الان تغير موازين القوى، فتُبادر، وتحتفظ ببعض زمام المبادرة، وتشارك في صياغة ترتيبات خروج قيادتها وسلامه اتباعها بشروط مقبولة. أما الإخراج، فيعني أن تعمه الجماعه وتستمر بالحرب حتى تفقد معظم أوراقها، ثم يُفرض عليها الشكل الذي تقرره الدوله الشرعيه .
فحين تبلغ الجماعة مرحلة الإخراج، لن يكون السؤال: "ماذا نريد؟" بل سيكون: "ماذا سيُسمح لنا أن نحتفظ به؟". وهذا هو الفارق الجوهري بين قرار تتخذه الجماعة وهي لا تزال تملك أدوات تأثير، وقرار يُفرض عليها بعدما تنعدم قدرتها على المناورة.
من هنا فإن السؤال الاستراتيجي الذي ينبغي أن يُطرح داخل جماعة الحوثي ليس: "كيف نصمد الى نهايه عام 2026م ؟"
بل: "ماذا يمكن إنقاذه وقد تغيرت قواعد اللعبة؟". فالتمسك بمواقع تتآكل القدرة على الاحتفاظ بها ليس دائماً تعبيراً عن الشجاعة، أحيانا يكون مجرد تأجيل للخسارة بتكلفة أعلى.
الزمن لا ينتظر. وكلما تأخر القرار ضاق هامش الخيارات، وحتى تصل لحظة لا يبقى فيها خيار اسمه "خروج"، بل خيار اسمه "إخراج". لذلك فإن القرار الأكثر عقلانية للحوثيين وقد ، أصبحت كلفة الاستمرار أعلى من القدرة على تحملها، ليس تأجيل النهاية وترقبها، بل هندسة الخروج مبكرا، قبل أن يُسحب من الجماعة حق اختيار شروطه.





