الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026 | الموافق ٢ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ
الرأي

سقوط مؤقت أم إعادة تموضع استراتيجي؟ الحقيقة التي يخشاها الخصوم.

إيران... حين عاد الرماد إلى مُشعل النار .

في الحروب الكبرى، لا تُقاس المعارك بنتائجها الآنية فقط، ولا يُحكم على مسارها من خلال مشهد واحد مهما بدا قاسيًا أو مؤلمًا. فالحرب ليست طريقًا مستقيمًا، وإنما جولات تتقدم فيها كفة وتتراجع في أخرى، ثم تتغير موازين القوى عندما تتراكم الخبرة والإرادة والقدرة على إعادة ترتيب الصفوف.

ومن هنا، فإن ما حدث في الساحل الغربي، وما قد يراه البعض سقوطًا نهائيًا أو هزيمة لا رجعة عنها، قد يكون في الحسابات الاستراتيجية مجرد محطة في معركة أطول، وثمنًا قاسيًا لإعادة ترتيب المشهد وصولًا إلى الهدف الأكبر: استعادة الجمهورية اليمنية وتحرير كل المناطق التي تسيطر عليها مليشيا الحوثي.

قد يعتقد الخصوم أن السيطرة على مساحة جغرافية تعني حسم الحرب، لكن التاريخ العسكري والسياسي يقول إن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة السيطرة على المستقبل. فكم من قوة حققت انتصارات ميدانية سريعة، ثم وجدت نفسها أمام حرب أطول مما توقعت، وخصم أكثر صلابة مما قدرت.

إن سقوط الساحل الغربي - إن حدث ضمن هذا السيناريو - يجب ألا يُقرأ بمعزل عن الصورة الكاملة. فالمعركة الحقيقية ليست معركة شريط جغرافي فحسب، وإنما معركة على شكل الدولة اليمنية ومستقبلها وهويتها السياسية. وقد يكون الثمن الذي يُدفع اليوم، مهما كان مؤلمًا، جزءًا من مسار أوسع يعيد ترتيب القوى ويفتح الطريق أمام استعادة الجمهورية وإنهاء الانقلاب.

والأهم من الأرض هو الإنسان الذي يقاتل من أجلها.
لقد قدم اليمنيون تضحيات كبيرة، من الجندي الذي يقف في مقدمة الجبهة، إلى القائد الذي تحمل مسؤولية الرجال والقرار، مرورًا بأفراد الوحدات والألوية الذين دفعوا من دمائهم وأعمارهم ثمنًا باهظًا.

ولذلك فإن أي حديث عن المعركة يجب أن يحفظ لهذه التضحيات مكانتها، وألا يتحول اختلاف التقديرات أو نتائج جولة عسكرية إلى باب للتخوين والتشكيك في النوايا.
ليس كل تراجع خيانة، وليس كل اختلاف مؤامرة، وليس كل خسارة في جولة تعني خسارة الحرب.

إن أخطر ما يمكن أن يفعله أي طرف في لحظة صعبة هو أن يبدأ معركته داخل صفه، وأن يبحث عن الخائن قبل أن يبحث عن أسباب الخلل، وأن يحول الخلاف في التقدير إلى خصومة بين أبناء القضية الواحدة.

المعركة تحتاج إلى مراجعة ونقد وتصحيح، نعم؛ لكنها تحتاج قبل ذلك إلى عقل سياسي يحفظ تماسك الصف، وإلى عدالة في تقييم المواقف، وإلى احترام لكل من قدم تضحياته في سبيل اليمن.

ثم تأتي الحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب عن أحد: الثقة بالله هي أعظم عوامل الثبات والنصر.

فالمؤمن لا يجعل نتيجة معركة واحدة معيارًا لإيمانه بالمستقبل، ولا يسمح للحظة انكسار أن تهدم يقينه بأن الأيام دول، وأن النصر لا يأتي دائمًا بالطريقة التي يتوقعها الناس ولا في الوقت الذي يريدونه.

الثقة بالله لا تعني تجاهل الواقع أو إنكار الأخطاء، بل تعني امتلاك القدرة على الوقوف بعد التعثر، ومراجعة الحسابات، وإعادة بناء القوة، وعدم الاستسلام لليأس.

والحوثي، مهما امتلك من أدوات وسيطر على مناطق، لا يستطيع أن يضمن أن ما سيطر عليه اليوم سيبقى تحت سيطرته إلى الأبد. فالمعادلات السياسية والعسكرية تتغير، والشعوب لا تنسى قضيتها، والدول لا تُبنى بمنطق القوة المسلحة وحده.

إن الجمهورية اليمنية ليست مجرد مساحة على الخريطة؛ إنها فكرة دولة، ومؤسسات، وهوية وطنية، وحق اليمنيين في أن يقرروا مستقبلهم بعيدًا عن منطق السلاح وفرض الأمر الواقع.

ولهذا فإن المعركة، في جوهرها، ليست معركة الساحل الغربي وحده، ولا معركة محافظة أو جبهة بعينها، وإنما معركة استعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها وإنهاء الانقلاب واستعادة القرار الوطني.

قد يخسر المرء جولة، لكنه لا يخسر الحرب ما دام قادرًا على النهوض.

وقد تتراجع القوات من موقع، لكنها تستطيع أن تعود إلى مواقع أخرى أكثر قوة وتنظيمًا.

وقد يفرح الخصم بانتصار ميداني، لكنه لا يستطيع أن يضمن أن هذا الانتصار هو خاتمة القصة.

وهنا تكمن الحقيقة التي يخشاها الخصوم: أن ما يعتبرونه نهاية قد يكون بداية لمرحلة جديدة، وأن التراجع المؤقت قد يتحول إلى إعادة تموضع، وأن تراكم التضحيات والخبرات يمكن أن يصنع في لحظة ما تحولًا أكبر من نتائج أي معركة منفردة.

لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس توزيع الاتهامات، ولا فتح أبواب التخوين، ولا جلد من قدموا أرواحهم في ميادين القتال، بل توحيد الهدف، وتصحيح المسار، والاستفادة من الأخطاء، وحفظ التضحيات، وبناء قوة قادرة على خوض الجولات القادمة بعقل أكثر نضجًا وإرادة أكثر صلابة.
فالحروب لا تُحسم دائمًا في بداياتها، ولا تُقاس بخط واحد على الخريطة.

الحرب جولات، والنهاية بالخواتيم ،وما دام في اليمن رجال يؤمنون بقضيتهم، ويثقون بالله، ويحفظون تضحيات من سبقوهم، ويرفضون تحويل الخلاف إلى تخوين، فإن باب الأمل يبقى مفتوحًا.

قد تكون الطريق طويلة، وقد تكون أثمانها ثقيلة، وقد تأتي أيام صعبة، لكن التاريخ لا يكتب أحكامه من جولة واحدة.

وفي نهاية المطاف، سيبقى السؤال الحقيقي:من استطاع أن يصمد، ومن استطاع أن يحافظ على قضيته، ومن استطاع أن يجمع صفه، ومن استطاع أن يصل إلى الخاتمة؟

أما الجولات، مهما كانت قاسية، فليست هي النهاية.
نعم الحرب جولات والنهاية بالخواتيم.