الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026 | الموافق ٢ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ
الرأي

المقاتلون ليسوا بيادق في رقعة شطرنج..

الدكتور عادل الشجاع "الخلاف بين رئيس المجلس الرئاسي والحكومة يكشف ضعف القرار اليمني والهيمنة الخارجية ومقتل صالح كان ضمن اتفاق دولي"

البيان الذي أصدرته قوات المقاومة الوطنية لا يجيب عن السؤال الأهم: من يتحمل مسؤولية هذه الكارثة؟.

تحميل إيران والحوثيين وحدهم مسؤولية ما جرى لا يعفي قيادة المقاومة الوطنية، ولا مجلس القيادة الرئاسي، ولا قيادة الشرعية، ولا كل من اتخذ قرارات عسكرية وسياسية أو شارك في إدارة هذه المعركة من مسؤولية ما انتهت إليه الأمور..

نحن لا نناقش هنا حق المقاومة في الدفاع عن مواقعها، ولا ننكر تضحيات المقاتلين الذين دفعوا أرواحهم ثمنا لهذه الحرب. لكن احترام دماء أكثر من 500 شهيد وآلاف الجرحى لا يكون بتحويلهم إلى أرقام في بيان سياسي، ولا باستخدام تضحياتهم لتبرير قرارات القيادات التي دفعت بهم إلى المعركة..

المقاتلون ليسوا بيادق في رقعة شطرنج، وليس من المقبول أن يموت الرجال في الميدان بينما تبقى القيادات في مواقعها، ثم تأتي بعد الهزيمة لتقدم البيانات وتوزع المسؤوليات على الآخرين..

والأكثر إيلاما أن البيان يتحدث بإسهاب عن خسائر القوات، لكنه يكاد يغيب مأساة عشرات الآلاف من المدنيين والنازحين الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين نار الحوثيين ونار التشكيلات والقوات المحسوبة على الشرعية، دون أن يقدم لهم أحد تفسيرا أو اعتذارا أو حتى إجابة عن مصيرهم!.

كنا نتوقع بيانا مختلفا، بيانا يبدأ بالاعتراف بالأخطاء قبل الحديث عن بطولات المقاتلين، ويضع أمام الناس بوضوح أين أخطأت القيادة، ولماذا وقعت هذه الخسائر، ومن اتخذ قرارات الانتشار والتمركز، ومن يتحمل مسؤولية انهيار الموقف العسكري؟.

بل كنا نتوقع، في الحد الأدنى، أن تكون هناك استقالات ومحاسبة بعد هذه الخسائر المتتالية، لا أن تبقى الوجوه ذاتها والمواقع ذاتها والخطاب ذاته!.

وكنا نتوقع من مجلس القيادة الرئاسي أن يمارس مسؤوليته السياسية، وأن يقف أمام الشعب ليقول بوضوح: ماذا حدث؟ لماذا حدث؟ ومن المسؤول؟ وما الذي سيتغير بعد هذه الهزيمة؟.

أما الاستمرار في اللغة الخشبية ذاتها، والحديث عن "إعادة ترتيب الأوراق" و"استخلاص العبر" دون تحديد المسؤوليات ومحاسبة المقصرين، فلم يعد يقنع أحدا..

المشكلة ليست في خسارة معركة فقط، المشكلة في عقلية إدارة الحرب ،التي تتعامل مع حياة اليمنيين وكأنها موارد قابلة للاستهلاك، ومع دماء المقاتلين وكأنها تفصيل ثانوي في البيانات السياسية..

نحن بحاجة إلى شجاعة سياسية توازي شجاعة أولئك الذين قاتلوا في الميدان: شجاعة الاعتراف بالخطأ، وتحمل المسؤولية، والاستقالة حين تستوجب المسؤولية ذلك، ومحاسبة من أخفق، وتدخل الحكومة العاجل لحماية المدنيين والنازحين، ووضع استراتيجية وطنية واضحة للحرب والسلام..

أما أن يموت المقاتل، ويهجر المدني، ثم تبقى القيادة في مواقعها وتصدر بيانا يحمل إيران والحوثيين كل شيء، فهذه ليست محاسبة ولا قيادة، تستحق أن تكون على رأس السلطة..

احترام الشهداء يبدأ بمساءلة من أرسلهم إلى الموت، واحترام النازحين يبدأ بالاعتراف بمأساتهم، واحترام الشعب يبدأ بالتوقف عن معاملته كمتلق لبيانات الانتصار والهزيمة دون حق في معرفة الحقيقة..

اليمن لا يحتاج إلى مزيد من البيانات الإنشائية،
بل يحتاج إلى مسؤولين يتحملون المسؤولية..