في الحرب يمكن أن تخسر قوة عسكرية موقعاً، وأن تخطئ قيادة في التقدير، وأن ينهار خط دفاع تحت ضغط هجوم واسع. لكن في السياسة اليمنية تتحول الخريطة العسكرية، خلال ساعات، إلى محكمة للنسب والعقيدة؛ فيصبح الماضي دليلاً، والقرابة إدانة، والخسارة خيانة، والرأي الشخصي موقفاً إقليمياً ملزماً.
لم ينتظر بعضهم تحقيقاً عسكرياً، ولا حصيلة موثقة، ولا رواية مكتملة لما جرى. وضعوا طارق صالح بين تهمتين: خائن أو فاشل، ثم أعلنوا أن «اليمن يتطهر». وبذلك لم يعودوا يناقشون ما جرى في الساحل الغربي، بل استخدموه لإصدار حكم بإقصاء رجل وقوة عسكرية وتيار سياسي كامل.
هذه ليست مساءلة. المساءلة تبدأ بالسؤال وتنتهي بالدليل، أما تلك المحاكمة فقد بدأت بالحكم، ثم راحت تبحث له عن قرائن.
ليس مطلوباً من أحد أن يجمّل خسارة عسكرية، أو يمنح قائداً صك براءة، أو يطالب اليمنيين بإغلاق أعينهم عن الأسئلة الصعبة. لكن تحويل كل إخفاق إلى خيانة، وكل انسحاب إلى صفقة، وكل خلاف مع قائد إلى حملة لهدم آلاف المقاتلين، ليس بحثاً عن الحقيقة؛ بل استكمال، ولو من دون قصد، لما بدأه الحوثي في الميدان.
ما جرى في الساحل الغربي خسارة كبيرة لا يجوز التهوين منها، ومعركة قاسية لا يجوز محوها أيضاً. سقطت مواقع ومدن غالية، وقدّم المقاتلون شهداء وجرحى. وبين هاتين الحقيقتين مساحة واسعة للنقد والمراجعة والمحاسبة، لكنها ليست مساحة للشماتة بدماء الرجال، ولا لتصفية حسابات سياسية مؤجلة.
قالت المقاومة الوطنية بوضوح إنها خسرت جولة. لم تلجأ إلى القاموس المريح الذي يعيد تسمية الوقائع: «إعادة تموضع» أو «انسحاب تكتيكي» أو «تعديل لخطوط الانتشار». والاعتراف بالخسارة لا يضعف القوة؛ فالجهة التي تنكر ما يراه الناس بأعينهم تخسر الأرض والمصداقية معاً. أما الاعتراف، فهو بداية السؤال الصحيح: لماذا حدث ما حدث؟ وكيف يُمنع تكراره؟
أما ما قيل عن حجم الحشد وكثافة النيران وأنواع السلاح والخسائر، فهو جزء من رواية ميدانية يستند إلى ما رصدته الوحدات المقاتلة والاستخبارات العسكرية على امتداد مسرح عمليات واسع. ومن الطبيعي أن تخضع المعطيات العسكرية للحصر والتدقيق بعد المعركة، شأنها شأن كل الوقائع في الحروب. لكن من غير الطبيعي انتزاع جملة أو رقم من سياقه لتحويله إلى «دليل» على الخيانة، أو مادة للسخرية من الذين كانوا في الميدان.
لا يُنصف الميدان من يتعامل مع أرقامه وكأنها واجب حسابي يُصحح من خلف الشاشات، فيما كان الجنود يخوضون معركة مفتوحة، ويقاومون هجوماً متعدد الأدوات، ويدفنون شهداءهم، ويتابعون تحركات العدو واتصالاته، ثم يعيدون ترتيب ما بقي من القوة في ظروف بالغة التعقيد.
والحقيقة التي لا ينبغي أن تضيع وسط الجدل أن الساحل الغربي تعرض لهجوم واسع أُعدّ له بعناية، واستُخدمت فيه قوة نارية كبيرة، وكان الوصول إلى باب المندب جزءاً من هدفه الاستراتيجي. وليس من قبيل الصدفة أن تتزامن التطورات مع الضغط في جبهات أخرى، بما يجعل معركة الساحل جزءاً من حساب عسكري وسياسي أوسع.
فالساحل اليمني لا يُقاس بأهمية مدينة أو معسكر فقط. والمخا، في هذه المعادلة، ليست مدينة يمنية فحسب؛ بل بوابة إلى ممر بحري تمس سلامته اليمن والمملكة العربية السعودية ودول المنطقة والعالم. وأي تهديد لباب المندب والبحر الأحمر لا يستهدف اليمن وحده، بل يهدد أمن الملاحة والمصالح الإقليمية والدولية.
لكن هذه الحقيقة لا تعفي أحداً من المسؤولية. فمن حق اليمنيين أن يسألوا: كيف استُقبلت المعلومات؟ وأين كانت الاحتياطات؟ وهل كانت خطوط الدفاع متناسبة مع حجم الخطر؟ ولماذا تعثرت التعزيزات؟ وكيف جرى التنسيق بين القطاعات؟ ومتى اتُّخذ قرار الانسحاب، ومن اتخذه، وما البدائل التي كانت متاحة؟
هذه أسئلة مشروعة، بل واجبة. دم الشهيد لا يُستخدم لإغلاق ملف الخطأ، بل يفرض فتحه. وشجاعة المقاتلين لا تمنح القيادة حصانة، وإنما تحملها مسؤولية مضاعفة عن معرفة موضع الخلل ومعالجته.
لكن لا يجوز استخدام هذه الأسئلة جسراً للقفز إلى تهمة الخيانة. الفارق كبير بين إخفاق عسكري يحتاج إلى تحقيق، وخيانة تحتاج إلى دليل. من يملك دليلاً على تواطؤ أو تنسيق أو أمر متعمد بتسليم الأرض، فليقدمه إلى الجهات المعنية والرأي العام. أما تحويل الظنون والخصومات إلى أحكام نهائية، فليس مساءلة وطنية، بل فوضى سياسية يستفيد منها الحوثي وحده.
المشكلة ليست أن طارق صالح لا يجوز أن يُسأل؛ بل إن سؤاله واجب. المشكلة أن بعضهم لا يريد جواباً، لأنه كتب الحكم قبل السؤال. إذا قيل له إن الرجال قاتلوا، قال إن قيادتهم خانت. وإذا قيل إن القيادة كانت مستهدفة، قال إنها فشلت. وإذا طُلب منه الدليل، عاد إلى أحداث عام 2014 واسم العائلة. وهكذا تتحول المحاسبة من أداة لإصلاح الحاضر إلى وسيلة للثأر من الماضي.
لقد قاتل رجال الساحل ودفعوا ثمناً باهظاً. وقد تخسر القوة موقعاً وهي تقاتل، وقد تتراجع بعدما تفقد قدرتها على الاحتفاظ بخطها، وقد تخطئ القيادة في تقديرها أو توقيتها أو توزيع قواتها. لكن خسارة الموقع، مهما كانت قاسية، لا تثبت وحدها أن المقاتلين هربوا أو أن القيادة باعت المعركة.
أما استدعاء مرحلة التحالف مع الحوثيين بين عامي 2014 و2017، فهو مفيد لفهم التاريخ، لكنه لا يشكل دليلاً على واقعة حدثت اليوم. لا أحد يطالب بمحو ذلك الماضي، ولا أحد يستطيع محو ما حدث بعده. لكن من حق اليمنيين أن يسألوا طارق صالح عن قراراته في الساحل، لا أن يحاكموه إلى الأبد بقرارات اتخذها رئيس سابق انتهى تحالفه بالحوثيين إلى مقتله، ثم تحولت القوات التي يقودها طارق إلى قوة تقاتل الجماعة على الأرض.
طارق صالح ليس فوق النقد، ولا ينبغي أن يكون. فكل قائد يتصدر حرباً يتحمل نصيبه من مسؤولية الانتصار والخسارة. لكن العدالة تقتضي ألا يُحاكم الرجل على أساس خصومات قديمة، وألا تُكتب نتيجة التحقيق قبل أن يبدأ، وألا يُختزل آلاف المقاتلين في موقف سياسي من اسمه وعائلته.
والدفاع الحقيقي عنه لا يكون بالقول إنه لم يخطئ، بل بالقول إن القائد الذي تحمل أعباء معركة كاملة مطالب بأن يراجع، ويصحح، ويحاسب المقصرين، ويعيد بناء قدرته على القتال. فالقائد لا تصنعه جولة رابحة وحدها، كما لا تنهيه جولة خاسرة؛ وإنما يُقاس بما يفعله بعد الخسارة: هل يراجع أم يكابر؟ هل يحاسب أم يحمي المقصرين؟ هل يعيد بناء قواته أم يكتفي بإعادة بناء الرواية؟
ومن الخطأ أن تتحول معركة الساحل إلى مناسبة لإهانة بقية مكونات الشرعية أو توزيع الاتهامات عليها. فألوية العمالقة، وقوات درع الوطن، والمقاومة التهامية، ومحور تعز، ومحاور مأرب والجوف والضالع وحجة وصعدة، وسائر القوات والتشكيلات الجمهورية، ليست خصوماً للمقاومة الوطنية، ولا ينبغي أن تكون المقاومة خصماً لها.
الإشادة بألوية العمالقة وقوات درع الوطن لا تحتاج إلى إهانة المقاومة الوطنية، كما أن الدفاع عن المقاومة لا يقتضي الانتقاص من العمالقة أو درع الوطن أو محور تعز أو المقاومة التهامية. هذه قوى يفترض أن تتكامل داخل معركة واحدة، لا أن تتحول إلى علامات يتنافس المعلقون على منح إحداها شهادة الوطنية وسحبها من الأخرى.
ولكل مكوّن تضحياته وظروفه ومسؤولياته، ولكل جبهة حساباتها وأعباؤها. وإذا كان هناك قصور في التنسيق أو توزيع المهام، فمكان مناقشته غرف العمليات والمراجعات العسكرية المسؤولة، لا المنابر التي يتهم فيها كل فصيل الفصيل الآخر بأنه سبب الهزيمة.
كما أن اختزال الثقة العسكرية في هوية عقائدية أو جغرافية بعينها لا يبني دولة ولا جيشاً وطنياً. العقيدة التي يحتاجها المقاتل في هذه الحرب هي عقيدة الدولة والجمهورية، أما الكفاءة فتُقاس بالانضباط والتدريب والقيادة والقدرة على الصمود والتعلم، لا بالمنطقة أو الحزب أو المذهب.
وقفت المملكة العربية السعودية إلى جانب اليمن ودولته وشعبه، وقدمت دعماً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً كبيراً في مواجهة الانقلاب الحوثي والمخاطر التي تهدد أمن اليمن والمنطقة. فأمن اليمن واستقراره جزء أصيل من أمن المملكة، كما أن حماية البحر الأحمر وباب المندب مصلحة مشتركة لليمن والسعودية ودول المنطقة والعالم.
وإن الدعم السعودي الكبير يحقق أثره الأوسع حين يقترن، في الجانب اليمني، بقيادة موحدة، ومؤسسات فاعلة، وخطة عسكرية واضحة. فالحليف يسند ويدعم ويساعد على بناء القدرة، فيما تقع على اليمنيين مسؤولية تجاوز خلافاتهم، وتوحيد قرارهم، وحسن إدارة ما يتلقونه من دعم.
ولا ينبغي التعامل مع التسريبات أو القراءات الإعلامية بوصفها بديلاً عن المواقف الرسمية والقنوات المعتمدة، خصوصاً في القضايا التي تمس علاقة اليمن بالمملكة العربية السعودية. فالعلاقة اليمنية السعودية أعمق من أن تُختزل في سجال، وأكبر من أن تُستخدم لتصفية الخلافات بين المكونات اليمنية.
مسؤولية توحيد القرار يمنية أولاً. وما كشفته معركة الساحل ليس نقصاً في شجاعة المقاتلين، بل أزمة مزمنة في القيادة والتنسيق وإدارة الموارد. لدى معسكر الجمهورية رجال وسلاح وخبرة وتضحيات، لكنه لم ينجح بعد في جمعها داخل خطة وطنية واحدة.
الحوثي يقاتل ضمن مشروع مركزي واضح، بينما تقاتله قوى متعددة، لكل منها قيادة وأولويات وحسابات مختلفة. وهذه الفجوة لا تُعالج بخطبة عن وحدة الصف، بل بقيادة عسكرية مشتركة، وغرفة عمليات فاعلة، واتصالات منسقة، واحتياط متحرك، وتوزيع واضح للمهام، وتزامن حقيقي بين الجبهات.
ولهذا، فإن أهم ما تحتاجه المقاومة الوطنية اليوم، مع شركائها في القوات المشتركة وبقية التشكيلات الجمهورية، ليس مزيداً من البيانات الدفاعية؛ بل مراجعة عملياتية شاملة تحدد كيف بدأ الخطر، وكيف قُرئت المعلومات، وأين وقع الاختراق، ولماذا تعطلت التعزيزات، وكيف انتقل التراجع بين القطاعات، وما الذي يجب تغييره في القيادة والاتصال والاحتياط والإمداد.
ولا ينبغي أن تكون المراجعة لجنة لتوزيع صكوك البراءة، بل أداة لتحديد المسؤوليات وتصحيح الخلل. فمن ثبت تقصيره يُحاسب، أياً كان موقعه؛ ومن أدار المعركة بكفاءة يُنصف؛ ومن قاتل يُكرم؛ ومن استشهد تُصان كرامة أسرته؛ ومن جُرح يُعالج؛ ومن فُقد أو أُسر لا يُترك اسمه معلقاً بين الشائعة والصمت.
ومن حق اليمنيين أن يعرفوا ما يمكن نشره من نتائج هذه المراجعة، من دون الإضرار بأمن العمليات. فالثقة لا تعود بعبارة حماسية، وإنما بحقيقة واضحة وإجراء ملموس. وحين تتغير الخطة، ويُعاد تنظيم القوة، ويُحاسب المقصر، تكون القيادة قد دافعت عن نفسها أكثر مما تفعل عشرات المقالات.
أما عبارة «اليمن يتطهر»، فليست وصفاً عسكرياً ولا تحليلاً سياسياً؛ بل لغة إقصائية تضع المختلف في خانة الدنس، وتمنح صاحبها حق توزيع شهادات الطهارة والخيانة. وقد دفع اليمن ثمناً باهظاً كلما ادعت جماعة أو سلالة أو حركة أنها الأطهر من بقية الناس، وأن إقصاء خصومها فعل أخلاقي أو ديني.
لا يحتاج اليمن إلى «تطهير» سياسي جديد. يحتاج إلى دولة تحاسب بالدليل، وجيش يقيس القادة بالكفاءة، وتحالف جمهوري لا يوزع الوطنية بحسب الحزب والمنطقة والمذهب.
لا يدافع عن المقاومة من ينكر أخطاءها، ولا ينتقدها بإنصاف من يمحو تضحياتها. وبين المكابرة والشماتة طريق ثالث: الاعتراف بالخسارة، وحماية وحدة الصف، ومحاسبة المقصر، وإعادة بناء القدرة على القتال.
نعم، خسر الساحل مواقع ومدناً غالية. ونعم، على طارق صالح وقيادته أن يشرحوا ويراجعوا ويتحملوا مسؤولياتهم. لكن الذين يريدون تحويل الخسارة إلى منصة لاجتثاث المؤتمر والإصلاح والمقاومة الوطنية، ثم إعادة بناء معسكر الشرعية على فرز ديني وجغرافي جديد، لا يعالجون أسباب الهزيمة؛ بل يزرعون أسباب الهزيمة المقبلة.
لقد خسر الجمهوريون جولة مؤلمة، لكن خسارتهم الأكبر ستكون إذا خرجوا منها أكثر انقساماً. وإذا تحولت دماء الساحل إلى وقود لحرب داخل معسكر الشرعية، يكون الحوثي قد سيطر على الأرض ونجح، في الوقت نفسه، في تفكيك خصومه.
أما إذا تحولت الخسارة إلى مراجعة، والمراجعة إلى قرارات، والقرارات إلى قيادة موحدة، فقد تكون هذه الجولة القاسية بداية تصحيح تأخر طويلاً.
الحروب لا تنتهي بخسارة مدينة، كما لا تُحسم بمنشور بليغ. إنها تُحسم حين يعرف المقاتل من يقوده، ويعرف القائد ما يملكه، وتتحرك الجبهات ضمن خطة واحدة، ويعرف المقصر أن المحاسبة ستصل إليه.





