الإثنين، 20 يوليو 2026 | الموافق ٤ صفر ١٤٤٨ هـ
التقارير

يميما: فنانة يهودية يمنية تعبر بالعود العربي بين الشرق والغرب

حميد عقبي ● خاص

من المهم للباحث في التراث اليهودي اليمني أن يصادف عشرات التجارب الشابة والنشطة جدًا والعديد منها يميل للتجريب بعيدًا عن التقلد والقص واللصق تعد تجربة الفنانة يميما واحدة من النماذج الجديرة باهتمام أكبر وفهم أعمق.

نشاطها حضورها الفني يبدو أكبر بكثير من الحضور الإعلامي الذي يبدو محدودًا، ونجد الكثير من أغانيها قناة على يوتيوب وهي ثرية وبوابة شيقة للدخول إلى عالمها حيث نكتشف فنانة ومبدعة اتخذت لنفسها مسارًا إبداعيًا ناعمًا يمتد لأكثر من عقد.

تكتب يميما بعض أغانيها وكذلك فهي تلحن وتغني وتعزف، وتتحرك بين الموسيقى اليمنية والعربية والأمريكية والمتوسطية، من دون أن تحبس نفسها داخل لون واحد. ولذلك فربما تكمن جاذبية تجربتها في هذا الهدوء نفسه؛ فهي لا تصنع ضجيجًا حول هويتها، لكنها تؤمن بفنها وتترك موسيقاها تتنقل بين الأماكن واللغات والذكريات.

وُلدت يميما في إسرائيل، ونشأت في ولاية تكساس الأمريكية، ثم عادت لتقيم في يافا.

هذه الجغرافيا المتعددة تبدو حاضرة وراسخة في تكوينها: ذاكرة عائلية يمنية، وبيئة يهودية، وسنوات أمريكية، ثم عودة إلى شرق المتوسط وانجذاب واضح إلى الموسيقى العربية. ولها موقع خاص بمثابة جسر بينها وبين جمهورها.

وتعرّف نفسها بأنها فنانة في مجال موسيقى العالم، تغني بالإنجليزية والعبرية والعبرية اليمنية، وتمزج الأصوات الشرق أوسطية بالأمريكانا والفولك روك والدريم بوب والجاز الغجري والتقاليد الكلاسيكية.

أجمل مدخل لفهم علاقتها باليمن يبدأ من اسمها. «يميما» هو اسم جدتها الكبرى، كبيرة سلالة جدها، التي ترتبط ذكراها، بحسب سيرتها المنشورة للفنانة، فهي عاشقة للتراث اليمني. لم أجد معلومات منشورة كافية تحدد المدينة أو القرية اليمنية التي جاءت منها العائلة، ولا تفاصيل وافية عن رحلة الأسرة من اليمن. لكن الاسم وحده يحمل معنى شخصيًا عميقًا؛ فالفنانة المعاصرة تحمل معها اسم امرأة من جيل بعيد، وكأن الذاكرة العائلية انتقلت إليها قبل أن تبدأ رحلتها الموسيقية.

لهذا لا تبدو اليمن عند يميما زينة خارجية زخرفية أو هوية تستعرضها باستمرار. إنها موجودة بصورة أكثر هدوءًا: في الاسم والذاكرة، وفي غنائها بالعبرية اليمنية، وفي تأثرها بالموسيقى اليمنية، ثم في انجذابها الأوسع إلى موسيقى الشرق. وهي ليست منشدة متخصصة في الديوان اليمني أو مغنية فولكلورية تحصر مشروعها في إعادة التراث كما وصل إليها، لكنها فنانة تنطلق من جذورها لتبحث عن لغتها الخاصة.

من تكساس إلى العود العربي

من أهم المحطات في تكوينها دراستها للموسيقى الكلاسيكية الشرق أوسطية في القدس، مع تركيز خاص على العود العربي . وهذا الاختيار يستحق التوقف عنده، لأنها لم تكتفِ بما ورثته من الذاكرة العائلية، بل ذهبت إلى دراسة آلة تحتل مكانة مركزية في تاريخ الموسيقى العربية.

العود في تجربتها يمكن أن نعتبره إضافة تمنح الأغنية العبرية لونًا شرقيًا. حضور الآلة يرتبط بطريقة تفكيرها في الموسيقى نفسها، وفي قدرتها على وصل عوالم مختلفة. ولهذا يمكن أن نسمع في أعمالها انتقالات بين الفولك الأمريكي والموسيقى الأندلسية، وبين الإيقاعات المتوسطية والشرق أوسطية، وبين الغناء والأعمال الآلية. لا يبدو هذا التنوع مفروضًا على الأغنية، بل نتيجة طبيعية لسيرة فنانة عاشت بين أكثر من مكان وتعلمت الإصغاء إلى أكثر من تقليد.

بدأ إنتاجها المسجل مبكرًا. ففي عام 2012 أصدرت في أوستن بولاية تكساس أسطوانتها القصيرة بدرٌ يشرق، ومن هنا ظهر اهتمامها بكتابة الأغاني والجمع بين الموسيقى المعاصرة وموسيقى العالم.

ثم جاء ألبوم (الأرض العزيزة ذاتها) عام 2014، بالتعاون مع الإخوة "بالاليكا" الطائرون في أوستن. وفي هذا العمل حاول الاثنان بناء أنسجة لحنية وإيقاعية متنوعة تمنح الموسيقى طاقة حركية وأحاسيس شعرية متدفقة.

تكشف عناوين ونصوص أغاني الألبوم عن عالم يميما الداخلي: الحب والحرية والحلم والسفر والبحث عن البيت والمكان. في (أنا صخرة) نجد صورة المسافر الباحث عن الحب والحرية، وفي ( لديّ حلم) يتحول الحلم الفردي إلى أفق يمكن مشاركته، بينما يحمل (في البدء) بحثًا عن الوطن يمر هذا البحث عبر الطبيعة وأحلام بشرية صغيرة.

هنا تظهر يميما ككاتبة أغنيات، لا كمؤدية فقط. صوتها لا يحاول السيطرة على العمل أو تحويل كل أغنية إلى استعراض للقدرات الصوتية. غالبًا ما ينساب داخل التوزيع، تاركًا للآلات والكلمات مساحتها. وهنا نشعر أن لديها ميل إلى التأمل والرقة، حتى عندما تصبح الإيقاعات أكثر حيوية.

أغنية تسافر بين مدن وبلدان

يقدم مشروعها (عندما نضل الطريق) نموذجًا واضحًا لطريقتها في بناء العمل على مراحل. ظهر لعمل بنسخة أولية أولًا عام 2022 وكانت متأثرة بالموسيقى الأندلسية.
ومع أننا مع فنانة تكتب وتغني وتدرس الموسيقى، كان من المهم أن تترك موسيقاها وحدها تقود الرحلة.

ماتزال يميما نشطة ومستمرة وتطور إبداعها في التأليف،وسنجد أن التسجيل والإنتاج مرتبط بموسيقيين في تل أبيب وإسطنبول. وهذا الانتقال الجغرافي ليس غريبًا على عالمها؛ فالموسيقى عندها قادرة على السفر مثلما سافرت حياتها بين تكساس ويافا.

وفي عام 2024 عادت إلى القطعة نفسها، لكنها هذه المرة أضافت صوتها وكلماتها في (عندما نضل) وهي النسخة الصوتية . وقد تحول العمل من رحلة آلية إلى أغنية تتأمل المكان والزمن والاتصال والخيال والحرية. أما الفيديو فصُوّر بين يافا ودهب في سيناء؛ بين مدن متوسطية متعددة الثقافات وفضاء الصحراء والبحر.

تكشف هذه التجربة شيئًا مهمًا في شخصيتها: إنها لا تتعامل مع الأغنية باعتبارها منتجًا ينتهي بمجرد صدوره. يمكن للحن أن يعيش معها، وأن يعود بعد عامين في صورة أخرى، وأن ينتقل من الموسيقى الخالصة إلى الكلمات والصوت والصورة.

شراكات بين الموسيقى والرقص

لا يبدو أن يميما تعمل وحدها دائمًا. من مشاريعها اللافتة ثنائي ( سعيدة) كأنها ترمز لليمن السعيد مع ذلك سنجد عالمًا موسيقى ا إثنيًا وعزف متعدد مع الملحن جوناثان أتاريا. إذن هذا المشروع قد جمع بين الموسيقى البلقانية والشرق أوسطية، حتى إن كتابة اسمه بالعربية والعبرية والحروف اللاتينية تبدو انعكاسًا طبيعيًا لهويته العابرة للثقافات.

وفي مشروع (ريك عود) دخلت إلى مساحة مختلفة اجتمعت فيها الموسيقى بالرقص، بالتعاون مع فنانة الرقص ومصممة الكوريغرافيا بريانا لوبيز ، المقيمة في نيويورك. الاسم نفسه لعب على العلاقة بين الرقص والعود، وكأن الموسيقى هنا لم تعد شيئًا نسمعه فقط، لكنها طاقة إبداعية خلاقة تتحول إلى حركة وجسد.

هذه المشاريع تكشف أن يميما لا تفكر في نفسها كمغنية تقف أمام فرقة وحسب وأن الموسيقى لديها يمكن أن تصبح حوارًا بين عازفين وعوالم وثقافات، حتى تلك القطع التي تكون بلا كلمات،وكان اللقاء بين العود والرقص مدهشًا. وهذا الفكر والتنوع يمنح تجربتها مساحة تجريبية ساحرة وربما تكون هذه المنجزات أكثر إثارة من الشهرة وضجيج السوشيال ميديا.

حضور هادئ بعيدًا عن النجومية

من المفارقات المهمة ونحن نتأمل مسيرة هذه الفنانة أننا نلمس ما تمتلكه من تنوع رغم أنها بعيدة نسبيًا عن التغطية الإعلامية الواسعة. لديها عشرات التسجيلات على قناتها في يوتيوب، وبعضها حديث، لكن أرقام المشاهدة لا تعكس دائمًا جودة التجارب الفنية وأصالتها. كما يصعب العثور على عدد كبير من المقابلات المطولة التي تتيح لها الحديث بتفصيل عن علاقتها باليمن أو الموسيقى العربية.

والباحث عن إبداعها سيجد أنها منذ أعمالها الأولى في تكساس، واصلت الكتابة والتلحين والغناء والعزف، وأسست مشاريع مشتركة، وربطت الموسيقى بالصورة والرقص، وسجلت أعمالًا بين مدن وبلدان مختلفة.

كما أن موقعها الرسمي الغني بالمواد يلفت الانتباه إلى سهولة الاستماع إلى أعمالها وإتاحة بعض الموسيقى بصورة مباشرة ومفتوحة وحتى يمكن تحميل بعضها مجانًا. لا نقول أنها لا تهتم بالجانب التجاري ولكن من الواضح أنها تمنح المستمع فرصة حقيقية لاكتشاف موسيقاها بعيدًا عن الحواجز المعتادة، وهو أمر مهم لفنانة مستقلة تحتاج أعمالها إلى جمهور أوسع.

الموسيقى والعلاج

هناك جانب آخر في حياتها يضيف بعدًا مختلفًا إلى شخصيتها. فإلى جانب الموسيقى، تحمل يميما شهادتين من جامعة تل أبيب وجامعة تكساس في أوستن في مجال العمل الاجتماعي السريري، وتتخصص في العلاج المرتبط بالصدمات النفسية.

من المثير أيضًا ملاحظة أن تكرار مفردات الحب والذاكرة والاتصال والحرية والشفاء كل هذه العناصر تُعتبر مركزية في عالمها الكتابي وأغانيها. ثمة حس إنساني هادئ يمر في كثير من أعمالها، وكأن الأغنية عندها مساحة للتأمل أكثر من كونها وسيلة للفرجة.

رابط مداخلة نقدية عن تجربة الفنان

اليمن بداية الرحلة

يمكن النظر إلى تجربة يميما من خلال صورة بسيطة: امرأة تحمل اسم جدتها الكبرى اليمنية، كبرت في تكساس، وتعيش الآن في يافا، درست العود العربي في القدس، سجلت موسيقاها بين تل أبيب وإسطنبول، وصوّرت بين يافا وسيناء، وهكذا تلتقي في مشاريعها بالموسيقى البلقانية والأندلسية والأمريكية والشرق أوسطية.

اليمن موجود في هذه الرحلة، لكنه ليس حدودها النهائية.

وهذه ربما أهم خصوصية في تجربتها. فجذورها اليمنية لم تتحول إلى قفص موسيقي، ولكن إلى نقطة انطلاق. تحمل الذاكرة معها ثم تسمح لها بأن تلتقي بذاكرات أخرى. العود العربي لم يلغي الفولك الأمريكي، والموسيقى الأندلسية لا تمنع حضور الدريم بوب، والغناء بالعبرية اليمنية أي أن فلسفتها ترتكز على التعايش فالعبرية اليمنية تعيش وتزدهر إلى جانب الإنجليزية والعبرية الحديثة والعربية.