عبد الرب الفتاحي ● خاص
ما يزال الوضع الاقتصادي والمالي في المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية يعاني حالة من عدم الاستقرار، في ظل استمرار تأخر صرف رواتب الموظفين وتدني قيمتها الشرائية، الأمر الذي فاقم أعباء المعيشة وزاد من حجم الديون، ودفع قطاعات واسعة من السكان إلى مواجهة صعوبات متزايدة في تأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية.
ويتحدث موظفون عن استمرار تأخر المرتبات وعدم انتظام صرفها، بالتزامن مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات، وهو ما يفاقم الضغوط المعيشية ويدفع الأسر إلى تقليص إنفاقها على الغذاء والاحتياجات الضرورية.
وتصف مصادر محلية واقتصادية هذا الوضع بأنه شكل من أشكال «المجاعة الصامتة»، في ظل تراجع القدرة على الوصول إلى الغذاء، إلا أن تقديرات وصول هذه الحالة إلى نحو 90% من الموظفين والسكان تحتاج إلى بيانات مستقلة وموثوقة للتأكد من دقتها.
ورغم تأكيدات مجلس القيادة الرئاسي والحكومة بشأن العمل على معالجة الاختلالات المالية وتجاوز التعقيدات المرتبطة بالموارد والإيرادات، فإن ظروف المواطنين في المناطق الخاضعة للحكومة لا تزال صعبة، وسط انتقادات لضعف أثر السياسات الحكومية على الحياة اليومية.
ويرى منتقدون أن الفجوة بين التصريحات الحكومية بشأن الإصلاحات الاقتصادية وبين الواقع المعيشي أصبحت أكثر وضوحًا، خصوصًا مع استمرار أزمة الرواتب وتدهور الخدمات وارتفاع الأسعار.
اتهامات بفشل الإصلاحات
يرى الباحث والمتخصص الاقتصادي مصطفى عبد المجيد أن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي يمتلك نفوذًا واسعًا في الملفات المالية والاقتصادية، معتبرًا أن ذلك انعكس على أداء الحكومة وقدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة وفعالة.
وقال عبد المجيد إن الحكومة أصبحت، بحسب تقديره، خاضعة بدرجة كبيرة لقرارات وتوجيهات رئاسة مجلس القيادة، الأمر الذي أضعف دورها في إدارة الملفات الاقتصادية والخدمية.
وأضاف أن عدم قدرة الحكومة على صرف الرواتب في فترة موحدة، إلى جانب عجزها عن تبني سياسات نقدية ومالية تحقق قدرًا أكبر من الاستقرار، يمثل أحد مظاهر الأزمة التي تعانيها مؤسسات الدولة.
ويربط عبد المجيد استمرار التدهور بما وصفه بتعدد مراكز النفوذ السياسية والاقتصادية، معتبرًا أن هذه المراكز تؤثر في إدارة الموارد والقرارات الحكومية وتحد من قدرة الحكومة على تنفيذ إصلاحات شاملة.
كما ينتقد عبد المجيد الدور السعودي في إدارة الملف اليمني، معتبرًا أن الدعم السياسي والمالي المقدم للسلطات القائمة لم ينعكس، وفق رأيه، بصورة كافية على حياة المواطنين في المناطق الخاضعة للحكومة.
وفي السياق ذاته، تتحدث مصادر سياسية واقتصادية عن وجود إنفاق حكومي على بدلات وإعاشات وفعاليات مختلفة، معتبرة أن بعض أوجه الإنفاق تحتاج إلى مزيد من الشفافية والرقابة، خصوصًا في ظل الأزمة المالية التي تواجهها الحكومة.
كما تتهم مصادر أخرى قيادات في السلطة بتمويل شخصيات وفعاليات سياسية واجتماعية بهدف تعزيز النفوذ السياسي، وهي اتهامات تحتاج إلى أدلة ووثائق مستقلة لإثباتها.
إيرادات متزايدة ومعاناة مستمرة
وفي مؤشر على اتساع الانتقادات، انتقد الصحفي فتحي بن لزرق استمرار تدهور الخدمات والأوضاع المعيشية، متسائلًا عن مصير الزيادة في إيرادات الدولة.
وقال بن لزرق، في منشور على منصة «إكس»، إن إيرادات الدولة خلال عام 2026 تعاظمت إلى نحو ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في 2025، خصوصًا بعد رفع سعر الدولار الجمركي، لكنه أشار إلى أن الوضع المعيشي والخدمي لا يزال أسوأ مما كان عليه في العام السابق.
وأكد أن الرواتب لم تنتظم، والخدمات لم تستقر، ولم يلمس المواطن تحسنًا يتناسب مع الارتفاع الكبير في الإيرادات، متسائلًا: «أين ذهبت الإيرادات؟».
وتعكس هذه التساؤلات اتساع الفجوة بين حجم الموارد التي تقول السلطات إنها تحققت وبين مستوى الخدمات والقدرة الشرائية للمواطنين، في وقت تواجه فيه الحكومة أزمة مالية ونقدية متواصلة.
الفساد ومراكز النفوذ
ويرى مختصون اقتصاديون أن استمرار العجز والتدهور الاقتصادي يرتبط بجملة من العوامل، بينها ضعف الإدارة المالية، وتعدد مراكز النفوذ، والفساد، وعدم توجيه الموارد بالشكل الكافي نحو المرتبات والخدمات الأساسية.
كما يشيرون إلى أن الإنفاق السياسي والتعيينات والإنفاق الحكومي غير المرتبط بالأولويات الاقتصادية قد يزيد من الضغط على الموازنة العامة، في وقت تحتاج فيه الحكومة إلى توجيه مواردها نحو الرواتب والخدمات وتحسين الوضع المعيشي.
وبينما تؤكد الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي وجود جهود لإجراء إصلاحات مالية واقتصادية والحصول على دعم خارجي، يبقى الاختبار الحقيقي لهذه السياسات مرتبطًا بمدى انعكاسها على حياة المواطنين.
فاستمرار تأخر الرواتب وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات، رغم الحديث عن زيادة الإيرادات والإصلاحات، يعمق حالة الإحباط الشعبي ويجعل «المجاعة الصامتة» عنوانًا لأزمة معيشية تتطلب معالجة عاجلة وشفافة، بعيدًا عن التصريحات والوعود.





