الأربعاء، 13 مايو 2026 | الموافق ٢٦ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ
التحقيقات

كيف يعيد الخطاب السعودي المعاصر توزيع الميراث الحضاري؟

كيف يعيد الخطاب السعودي المعاصر توزيع الميراث الحضاري؟

حميد عقبي + خاص

لا يمكن قراءة التحوّل في الخطاب التاريخي السعودي المعاصر حول اليمن القديم بمعزل عن سياق الحرب اليمنية التي انفجرت منذ 2015. فالحرب لم تكن حدثًا عسكريًا وسياسيًا فقط، فلقد تحولت سريعًا إلى لحظة لإعادة ترتيب الذاكرة، وإعادة تسمية الجغرافيا، وإعادة توزيع الميراث الحضاري.

في تلك اللحظة تحديدًا، كان العالم يرى صور صنعاء القديمة، وزبيد، وشبام، ومأرب، وصعدة، والمتاحف والمواقع الأثرية المهددة، بكونها شواهد على مأساة بلد يملك أحد أعمق التواريخ في الجزيرة العربية والشرق الأدنى. اليونسكو تحدثت في يونيو 2015 عن قصف صنعاء القديمة، ووصفتها بأنها من أقدم جواهر المشهد العمراني الإسلامي، وأن تراثها يحمل روح الشعب اليمني وينتمي إلى الإنسانية كلها. كما أشارت لاحقًا إلى أن مواقع التراث العالمي اليمنية الثلاثة، صنعاء وشبام وزبيد، أدرجت على قائمة الخطر، وأن الحرب ألحقت أضرارًا جسيمة بالتراث اليمني.

في هذا السياق، لم يكن غريبًا أن يبكي بعض المستشرقين والآثاريين والمهتمين بالتراث العالمي اليمن في وسائل الإعلام والمنابر الدولية. اليمن بالنسبة لهم لم يكن مجرد بلد فقير تدور فيه حرب، بل كان خزانًا هائلًا لذاكرة جنوب الجزيرة العربية: سبأ، ومعين، وقتبان، وحضرموت، وحمير، ومأرب، وسدود الري، والنقوش المسندية، والمدن الطينية، وطرق البخور، وصلات البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

اليمن اقدم الحضارات في الجزيرة العربية

هذه العناصر مجتمعة جعلت اليمن في المخيال التاريخي العالمي واحدًا من أقدم مراكز الحضارة في الجزيرة العربية، لم يكن هامشًا صحراويًا تابعًا. لذلك بدا تدمير التراث اليمني، أو تهديده، وكأنه تدمير لذاكرة إنسانية أوسع من حدود اليمن السياسية المعاصرة.

ولكن رأينا في المقابل، كيف بدأت عجلة إعلامية وأكاديمية سعودية تتحرك في اتجاه آخر. لم يكن الخطاب الجديد يهاجم اليمن القديم دائمًا بصورة مباشرة، بل لجأ إلى صيغة أكثر نعومة: تذويب اليمن جعلها داخل عبارة “الجزيرة العربية”.

هكذا انتقل التعبير من “اليمن أصل الحضارات” أو “اليمن أصل العرب” ـ وهي عبارات قديمة تحتاج هي أيضًا إلى نقد علمي لأنها قد تنطوي على مبالغة يمنية أو قومية ـ إلى تعبير آخر أشمل ظاهريًا: “الجزيرة العربية أصل الحضارات والكون والإنسانية”.

غير أن المشكلة لا تكمن في استعمال مصطلح الجزيرة العربية بحد ذاته، فهو مصطلح جغرافي وتاريخي مشروع، ولكن في طريقة تشغيله إعلاميًا وسياسيًا. فحين تُذكر سبأ ومعين وحمير توصف بأنها مجرد “حضارات صغيرة من الجزيرة”، ثم يُسلَّط الضوء على وسط وشمال وشرق الجزيرة بوصفها مركز الحكاية الجديدة الكبرى، فإننا لا نكون أمام توسيع بريء للسياق، بل أمام نقل رمزي لمركز الثقل من اليمن إلى الجغرافيا التي تتوافق مع الدولة السعودية الحديثة.

هنا تظهر أهمية نقد الخطاب لا نقد الأشخاص فقط. فبعض المؤرخين السعوديين، ومنهم د. سليمان الذييب، لا يمكن إنكار مساهماتهم في دراسة النقوش والكتابات القديمة في الجزيرة العربية. سعوديبيديا تقدمه بوصفه مؤرخًا وباحثًا وأستاذًا في النقوش القديمة بجامعة الملك سعود، وله مؤلفات ودراسات كثيرة في آثار ولغات الجزيرة العربية.

لكن الإشكال يبدأ عندما ينتقل الباحث من التخصص الدقيق في النقوش إلى خطاب إعلامي واسع يعيد بناء التاريخ على هيئة سردية كبرى: العرب القدماء، الجزيرة العربية، الهجرات، أصل الكتابة، أصل الحضارات، وأصل الشعوب السامية.

في مثل هذه اللحظة، لا يعود السؤال: هل الذييب باحث مهم؟ نعم، هو مهم في مجاله. السؤال الأدق: كيف تُستعمل بعض آرائه داخل الإعلام؟ وهل تُعرض كفرضيات قابلة للنقاش، أم كحقائق نهائية تلائم المزاج الإعلامي والسياسي؟
في محاضرات ومقالات منشورة في الإعلام السعودي، يظهر اتجاه واضح إلى تعظيم مركزية الجزيرة العربية، وخصوصًا شمالها ووسطها وجزء من شرقها.

الدراسات السعودية والبحث عن عمق تأريخي

ففي عشرات الدراسات السعودية الحديثة سنجد عناوين أن “العرب القدماء هاجروا من وسط الجزيرة العربية لتأسيس ممالك في العراق والشام ومصر”، تُقدَّم رؤية واسعة جدًا تجعل وسط الجزيرة نقطة انطلاق لحركات حضارية كبرى.

وفي خبر آخر نشرته عرب نيوز سنة 2025، نقرأ أن أكاديميين سعوديين أكدوا أن الخط العربي الحديث نشأ من الخط النبطي في تيماء والعلا، وأن الذييب تحدث عن تنوع النقوش في مناطق المملكة، بما فيها الثمودية والآرامية والسبئية والمعينية والصفائية والددانية، بوصفها وثائق لتفاعل العرب مع الثقافات المجاورة منذ القديم.

هذا النوع من الخطاب لا يكتفي بالقول إن السعودية الحالية تضم مواقع أثرية مهمة، وهذا صحيح، بل يذهب أحيانًا إلى جعل هذه المواقع مفاتيح كبرى لإعادة كتابة تاريخ العرب والكتابة والحضارة.

المشكلة أن هذه السردية لا تظهر في فراغ. إنها تظهر في زمن حرب، وفي زمن مشروع وطني سعودي جديد يبحث عن عمق تاريخي، وعن تراث غير نفطي، وعن ذاكرة سياحية وثقافية تصلح للتسويق العالمي. وهذا مشروع مفهوم من زاوية الدولة الوطنية، خصوصًا مع صعود العلا، وددان، ولحيان، والحِجر، وتيماء، والفاؤ، وجبة، ونجران، وغيرها من المواقع التي تستحق فعلًا دراسة جادة.

لكن الخطر يبدأ حين يتحول إبراز تراث السعودية إلى تقليل ضمني من مركزية اليمن القديم. فبدل أن يقال: “السعودية واليمن وعمان والبحرين وشرق الجزيرة كلها حضارات ساهمت في تاريخ الجزيرة”، يصبح الخطاب أحيانًا: “الجزيرة العربية هي الأصل”، ثم يُختزل اليمن في كونه جزءًا صغيرًا من هذه الجزيرة، أو ممرًا تجاريًا، أو حضارات متنازعة لا تمتلك وزنًا فكريًا وثقافيًا مستقلًا وزراعتها ارتبطت بالأمطار الموسمية وبناء سدود صغيرة.

يمكن ملاحظة ذلك في طريقة التعامل مع الممالك اليمنية القديمة. يمكنكم قراءة مقالة د٠ سليمان الذييب في مجلة الفيصل بملف خاص الجزيرة العربية في مرآة الحاضر بتاريخ ـ الأول من يوليو 2023 حين تُقدَّم سبأ باعتبارها نشأت في منتصف القرن السابع قبل الميلاد فقط، ومعين نحو 500 قبل الميلاد، وحمير في نهاية القرن الثاني قبل الميلاد.

فالقارئ غير المتخصص سيظن أن الحضارة اليمنية متأخرة، محدودة، ومتقطعة. بينما الدراسات الحديثة عن جنوب الجزيرة تؤكد أن اليمن القديم كان منذ بداية الألف الأول قبل الميلاد فضاءً ذا نظم سياسية ودينية واجتماعية خاصة، وأن ممالك ومدن جنوب الجزيرة في القرنين الثامن والسادس قبل الميلاد كانت جزءاُ من مشهد حضاري معقد، لا مجرد كيانات قوافلية هامشية.

 

المركز الفرنسي للدراسات اليمنية، مثلًا، في تقديمه لكتاب منير عربش عن اليمن القديم، يصف اليمن بأنه مهد حضارة مزدهرة امتلك منذ بداية الألف الأول قبل الميلاد نظامًا سياسيًا ودينيًا واجتماعيًا خاصًا.

الآلية الخطابية

بعد 2015، اكتسب هذا النوع من الكتابة حساسية إضافية. لأن اليمن لم يعد فقط موضوعًا أثريًا، بل صار موضوعًا سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا. في لحظة كان فيها التراث اليمني يتعرض للتدمير أو الإهمال أو النهب، كان يفترض أن تظهر قراءة عربية واسعة تقول: إن حماية اليمن هي حماية لذاكرة الجزيرة كلها. لكن ما حدث في بعض المنابر كان مختلفًا: جرى تضخيم عبارة “الجزيرة العربية” بطريقة تُخفي الاسم اليمني. وهنا تبدو الحرب كأنها دفعت الخطاب إلى مأزق مزدوج: فمن جهة هناك مسؤولية أخلاقية تجاه بلد يتعرض تراثه للخطر، ومن جهة أخرى هناك رغبة في إعادة هندسة الخريطة الحضارية بحيث لا يعود اليمن مركزًا رمزيًا مزعجًا.

لا أقول إن كل مؤرخ سعودي يكتب ضد اليمن، فهذا تعميم ظالم وغير علمي. ولا أقول إن كل حديث عن حضارات السعودية هو سطو على اليمن، فهذا أيضًا غير صحيح.

للسعودية الحالية مواقع عظيمة، ونقوش مهمة، وممالك وواحات لعبت أدوارًا أساسية في تاريخ شمال الجزيرة. ددان ولحيان وتيماء والحجر والفاؤ ونجران والجوف ليست أسماء عابرة.

لكن النقد يتوجه إلى الآلية الخطابية: حين يتحول الاعتراف بهذه المواقع إلى منافسة مع اليمن، وحين يُعاد توزيع الميراث الحضاري بطريقة تجعل جنوب الجزيرة تابعًا لاسم عام، بينما يُمنح وسط وشمال الجزيرة دور الأصل والمركز.
يمكن تلخيص هذه الآلية في أربع خطوات:
الأولى: تأخير اليمن، عبر جعل سبأ ومعين وحمير تبدأ في تواريخ متأخرة ومختصرة.

الثانية: تبسيط اليمن، عبر اختزاله في تجارة البخور أو صراعات الممالك أو قصة بلقيس أو ذي نواس.

الثالثة: تذويب اليمن، عبر استبدال اسم اليمن القديم بعبارة الجزيرة العربية كلما كان الحديث عن منجز يمني واضح.
الرابعة: إعادة المركز، عبر إبراز العلا وتيماء وددان والفاؤ بوصفها مفاتيح كبرى للأصل العربي بل الأصل الكوني والكتابة والهجرات.

هذه الخطوات لا تحتاج إلى مؤامرة معلنة؛ يكفي أن تتكرر في البرامج والمحاضرات والمقالات حتى تصنع وعيًا جديدًا.
أما دور الإعلام فهو حاسم. الأكاديمي حين يكتب في بحث متخصص يكون مضطرًا إلى ذكر الهوامش، والتحفظات، والاحتمالات، والخلافات. لكنه حين يظهر في وسيلة إعلامية، قد يتحول إلى “صوت سلطة” يلخص التاريخ في جمل كبيرة.

الإعلام لا يحب الشكوك المنهجية، الناس تحب العناوين الواسعة: “العرب خرجوا من وسط الجزيرة”، “الجزيرة أصل الحضارات”، “الخط العربي نشأ هنا”، “الحضارات القديمة في المملكة”. هكذا يصبح الباحث، أحيانًا دون أن يشعر، جزءًا من ماكينة رمزية تريد ما ينسجم مع مشروعها الهوياتي. وهنا يمكن القول إن سليمان الذييب واحد من الأكاديميين الذين ظهروا في هذه المساحة، وقالوا ما يتناسب مع حاجة الإعلام إلى سردية كبرى، حتى لو كانت بعض فرضياته تحتاج إلى فحص أشد.

خطر السردية

الخطر في هذه السردية أنها لا تكتفي بتصحيح التهميش القديم لشمال الجزيرة، بل تنتج تهميشًا جديدًا لليمن. فبدل أن نخرج من مركزية يمنية قديمة إلى تعددية علمية، ننتقل إلى مركزية سعودية جديدة. وبدل أن نقول إن الجزيرة العربية فضاء متعدد المراكز: جنوبها اليمني، شمالها الدداني واللحياني والنبطي، شرقها الدلموني والجرهائي، ووسطها بواحات ومواقع رعوية وزراعية وتجارية، تصبح الحكاية حكاية مركز واحد يعيد ابتلاع الأطراف. وهذا ليس تاريخًا، بل سياسة ذاكرة.

اليمن لا يحتاج إلى أسطورة “أصل كل الحضارات” كي يكون عظيمًا. يكفيه أن يكون اليمن: أرض سبأ ومأرب والمسند والري والمعابد والطرق والملكات والنقوش والمدن.

والسعودية لا تحتاج إلى وراثة اليمن كي تثبت عمقها الأثري؛ يكفيها ما لديها من مواقع حقيقية وهائلة.

المشكلة تبدأ حين يصبح الماضي مجالًا للمنافسة السياسية، وحين تتحول الحرب إلى فرصة لإعادة تسمية التاريخ.

رابط هام لسماع ومشاهدة محاضرة قصيرة تعرض هذا الموضوع

لذلك، فإن العنوان المقترح يذهب إلى قلب المسألة: من “اليمن أصل الحضارات” إلى “الجزيرة العربية أصل الحضارات”: كيف يعيد الخطاب السعودي المعاصر توزيع الميراث الحضاري؟ إنه لا يدعو إلى استبدال أسطورة بأسطورة.

لكننا بحاجة إلى فضح آلية الاستبدال نفسها. المطلوب ليس الدفاع العاطفي عن اليمن، بل الدفاع العلمي عن الدقة: سبأ ليست كلمة عامة، ومعين ليست هامشًا، وحمير ليست خاتمة صغيرة، واليمن القديم ليس ملحقًا في كتاب “الجزيرة العربية”، بل أحد أعمدتها الكبرى. أما الجزيرة العربية، فهي لا تكون عظيمة بمحو اليمن، بل بالاعتراف بأن عظمتها جاءت من تعدد مراكزها وليس من اختزالها في مركز سياسي معاصر.

توزيع الميراث الحضاري