بما ان حركة التاريخ في اصلها مسرحا لتصارع البنى وتفكك الأوهام الأيديولوجية الكبرى، فلا يمكنني قراءة مشهد الطغيان الحوثي إلا بوصفه مأساة وجودية مكتملة الأركان، تعيد إنتاج أسوأ سيناريوهات الانتحار التاريخي، حيث تتحول القوة المليشاويه العارية إلى فخ ينصبه الحوثي للهاشميين
لاشك ان ثمة حماقة قاتلة تصيب الوعي الحوثي في ذروة تمكينه المليشاوي، حماقة تجعله يرى في انحناءة الخوف المؤقتة التي يبديها المجتمع اليمني صك إذعان أبدي، لكن علم الاجتماع السياسي حين يجرد اللحظة الراهنة من غبارها الأيديولوجي ،يكشف عن حقيقة السلطة الحوثيه بإنها تمارس نوعاً من الاستنزاف الذاتي المحموم للهاشميين بفائض قوتها المادية المحضة
فهي لا تبني دولة بل تدير حالة استثناء متطاولة و نسقاً مغلقاً، يرفع منسوب الضغط على محيطه الاجتماعي ،معتقداً أن البطش هو الضمانة الوحيدة للبقاء متناسياً أن الأنظمة المغلقة ،هي الأكثر قابلية للانفجار الذاتي بفعل الاحتباس التراكمي للاحتقان
وهنا اطرح سؤال على الهاشميين سؤال يتجاوز اللحظة السياسية العابرة، ليحاكم البنية الذهنية الهاشمية ..كيف يتأتى لكم هذا الاطمئنان الوجودي لمستقبل تملأون شروطه، ببذور فناءكم، فإيغال الحوثي في تفكيك شبكات الأمان الاجتماعي والأخلاقي بدءاً من القتل والسحل و نهب الأموال والممتلكات ،وإفقار العامة وصولا إلى استباحة الحرمات والتنكيل بالنساء والسجينات.
وهذا ما بدأت ملامحه مؤخرا في سلوك القهر الممنهج اتجاه الخصوم والضعفاء ;كابنة صدام حسين واعتقال الشيخ حمد فدغم بدافع الاحتقار لإسلاف واعراف وتقاليد القبيله ،ليس دليلاً على التمكين، بل هو إعلان صريح عن عجز بنيوي.
فالسلطة التي تحتاج إلى الإرهاب اليومي العاري لتثبيت حضورها ؛ هي سلطة مكشوفة تاريخياً هل يدرك العقل الهاشمي أن كل فعل تنكيلي يمارسه الحوثي اليوم ،هو قرض رمزي مؤجل الدفع وأن تجاوز الخطوط الحمراء يحرم الهاشميين الابرياء ،من أي جدار حماية مستقبلي، فمن يزرع الريح في وجدان الشعوب لن يجد غدا في لحظة تبدل المواقع سوى العاصفة ،تلتهم كيانه بالكامل دون النظر الى المذنب او البرئي
إذا أعدنا قراءة هذا المسار من منظور ابن خلدون ،سنجد أن الحركية الحوثية تمثل حالة شذوذ سوسيولوجي تعجل بنهايتها .
لقد قفزت هذه الجماعة مباشرة من طور النشأة والظفر إلى طور التحلل الأخلاقي والجبائي، دون المرور بمرحلة بناء المؤسسات أو الاستقرار العصبية التي بدأت ككتلة زيدية مقاتلة.
ثم انكفأت سريعا لتحول إلى سلالية ضيقة وضاربة تحرص على احتكار الامتيازات وعزل الحلفاء مما يفتح الباب أمام التآكل الداخلي والصراعات البينية على الغنائم بالتوازي مع ذلك يشتغل قانون الجباية المفرطة كأداة لتدمير العمران البشري والاقتصادي.
فالسلطة الحوثية تحولت إلى جهاز لامتصاص دماء المجتمع اليمني دون تقديم أي مقابل حمائي أو خدمي، وهو ما يصفه ابن خلدون بعلامة زوال الملك الحتمية، حيث يتحول المحكومون من مواطنين إلى أعداء كامنين ينتظرون لحظة الخلل الاستراتيجي.
إن سيكولوجية الانتقام التي تتخلق الآن تحت الرماد ليست نزوة تدميرية عابرة، بل هي آلية دفاعية غريزية يسعى عبرها الوعي الجمعي اليمني ، لإعادة التوازن الوجودي الذي سحق.
تعيش الجماهير المقهورة حاليا ما يعرف بالعجز المكتسب وهو صمت ثقيل، يظنه الحوثي خضوعاً، بينما هو في الحقيقة مرحلة كمون بركاني عندما يبدأ بندول التاريخ بالحركة المعاكسة، تتحول طاقة الكبت فجأة إلى قوة دفع هستيرية لا تكتفي بإزالة المظلمة بل تندفع لتدمير الأيقونة الرمزية للسلاله الهاشميه، لغسل عار الانحناء.
هذا الانتقام يتغذى على سقوط أنسنة الهاشمي، فبما أن المشرف الحوثي يتعامل مع المجتمع اليمني باستعلاء وينزع عن المواطنين آدميتهم، فإن الضحايا يمارسون ذات العزل السيكولوجي، حيث لن يروا في الهاشمي غدا كائناً بشرياً، يستحق الرحمة أو الأعراف ،بل وباء وجب اجتثاثه لتطهير الجغرافيا والتاريخ .
تأسيساً على هذا التشريح المنهجي ،تصبح المقاربة واضحة ومخيفة ،الاستعلاء السلالي يمهد الطريق لسحق هرمي جبري يلغي كل الامتيازات عند السقوط والنهب المالي، و يشرعن الاسترداد العنيف لممتلكات الهاشميين، أما هتك الحرمات وتنكيل النساء فيسقط كوابح الخصومة العرفية ويحول الصراع إلى ثأر وجودي عابر للأجيال، لا تمحوه التسويات السياسية أو طاولات المفاوضات الدولية.
إن طمأنينة الهاشميون الراهنة هي محض جهل مطبق بسيكولوجية الجماهير وحركة التاريخ، فالخوف الذي يزرعونه الحوثيين اليوم ليس ضمانة أمنية للهاشميين، بل هو استثمار مضمون في حقد يمني مستقبلي خالص، وصياغة هادئة لملامح اقتصاص أعمى ،لن يترك وراءه مساحة واحدة للعفو يوم تنقلب الآية ويدور البندول دورته الكبرى




