الخميس، 21 مايو 2026 | الموافق ٤ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ
الرأي

وأد عصري في ثوب زفاف

حياد المنزلق.. الاحتلال والنفوذ في ميزان الفقه السياسي

"وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت".. ارتبطت هذه الآية القرآنية في الوعي الإسلامي بصورة الطفلة التي دفنت حية في الجاهلية خوفا من الفقر أو العار.

وبعد قرون طويلة، تغيرت أشكال الممارسة، ليبقي جوهر الخسارة الإنسانية حاضرا بصيغ جديدة، من بينها الزواج المبكر الذي يدفع آلاف الفتيات إلى مغادرة الطفولة قبل اكتمالها.

في اليمن، تتداخل الحرب والفقر والانهيار المؤسسي مع البنية الاجتماعية التقليدية لتوسيع دائرة هذه الظاهرة، حتى تحولت في بعض المناطق إلى آلية للتكيف الاقتصادي والاجتماعي داخل الأسر الفقيرة.

ومع غياب حد أدنى قانوني واضح لسن الزواج، تتزايد أعداد الفتيات اللواتي يدخلن الحياة الزوجية في أعمار مبكرة، وسط بيئة محدودة الحماية القانونية والرعاية الصحية والتعليمية.

وتشير تقديرات منظمات دولية إلى أن نحو ثلث النساء اليمنيات تزوجن قبل بلوغ الثامنة عشرة، بينما ترتفع النسبة في بعض المناطق الريفية بصورة أكبر نتيجة الفقر وضعف التعليم واتساع النزوح.

وتعكس هذه الأرقام تحولا عميقا في وظيفة الزواج داخل المجتمع، حيث لم يعد يرتبط فقط بالبنية الأسرية التقليدية، بل أصبح في كثير من الحالات وسيلة لتخفيف العبء الاقتصادي أو حماية الأسرة من تداعيات الحرب وانعدام الاستقرار.

وتكشف قصص كثيرة الجانب الإنساني القاسي لهذه الظاهرة. ففي ريف محافظة ريمة، زفت فتاة في الرابعة عشرة من عمرها إلى رجل يكبرها بعشر سنوات. وبعد أيام قليلة من الزواج تعرضت لمضاعفات صحية حادة ونزيف استدعى نقلها إلى المستشفى.

لم تكن المشكلة مرتبطة بحدث فردي معزول، بقدر ما عكست فجوة واسعة بين العمر البيولوجي والنفسي للفتاة وبين الأعباء التي وجدت نفسها مطالبة بتحملها دفعة واحدة.

ويرتبط الزواج المبكر بمخاطر صحية معقدة، خصوصا في البيئات التي تعاني ضعف الخدمات الطبية.

فالحمل في سن صغيرة يرفع احتمالات النزيف وتسمم الحمل والولادة المتعثرة، كما يزيد من خطر الإصابة بالناسور الولادي، وهو من أكثر المضاعفات المرتبطة بالولادة القاسية في المناطق الفقيرة.

ويؤدي هذا النوع من الإصابات إلى آثار صحية ونفسية واجتماعية ممتدة، تبدأ بالعزلة ولا تنتهي عند حدود التفكك الأسري أو الوصمة الاجتماعية.

ولا تقف التداعيات عند الجانب الصحي؛ فالدراسات النفسية المرتبطة بزواج القاصرات تشير إلى ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات التكيف لدى الفتيات اللواتي ينتقلن مبكرا من بيئة الطفولة إلى فضاء المسؤوليات الزوجية والأسرية.

وفي المجتمعات المحافظة، تواجه كثير من الفتيات صعوبة في التعبير عن الضغوط التي يتعرضن لها، ما يدفع بعضهن إلى الانسحاب الاجتماعي أو الصمت الطويل بوصفه وسيلة للتكيف مع واقع مفروض.

ومن الناحية الاجتماعية، يؤدي الزواج المبكر إلى انقطاع أعداد كبيرة من الفتيات عن التعليم، الأمر الذي يعيد إنتاج الفقر داخل الأسرة والمجتمع معا.

فالفتاة التي تغادر المدرسة مبكرا تدخل غالبا في دائرة اعتماد اقتصادي طويل الأمد، بينما تتراجع فرص مشاركتها في سوق العمل أو الحياة العامة.

ومع استمرار الحرب وتدهور الوضع المعيشي، تتسع هذه الحلقة لتصبح جزءً من بنية الهشاشة الاجتماعية في البلاد.

وتشير تقارير أممية إلى وجود ملايين الأطفال خارج العملية التعليمية في اليمن، وتحتل الفتيات النسبة الأكبر في بعض المناطق الريفية.

ويؤدي تراجع التعليم إلى تعزيز حضور الأعراف التقليدية على حساب الوعي القانوني والصحي، الأمر الذي يسمح باستمرار الظاهرة عبر الأجيال.

كما أن الانقسام السياسي والحرب الممتدة أضعفا قدرة المؤسسات الرسمية على بناء سياسات حماية فعالة. فالقوانين المتعلقة بالطفولة والأسرة بقيت موضع جدل طويل وقوبلت برفض العديد من مراكز النفوذ، في حين تراجعت قدرة الدولة على فرض آليات رقابة أو توفير شبكات حماية اجتماعية للفئات الأكثر ضعفا.

وفي ظل هذا الواقع، يبدو الزواج المبكر أكثر من مجرد ظاهرة اجتماعية معزولة؛ فهو نتيجة مباشرة لاختلالات اقتصادية وثقافية ومؤسسية متراكمة.

فكلما اتسعت دوائر الفقر وتراجعت فرص التعليم وضعفت مؤسسات الدولة، ازدادت احتمالات دفع الفتيات نحو الزواج المبكر باعتباره حلا سريعا لأزمات أكثر تعقيدا.

وتبقى حماية الفتيات مرتبطة بمجموعة مترابطة من السياسات، تبدأ بتوسيع فرص التعليم والرعاية الصحية، وتمر بتعزيز الحماية القانونية، ولا تنفصل عن تحسين الظروف الاقتصادية للأسر.

لذلك فإن معالجة الظاهرة من زاوية أخلاقية فقط، دون الاقتراب من جذورها البنيوية، تترك المجال مفتوحا لاستمرارها بأشكال مختلفة داخل مجتمع أنهكته الحرب ويعيد ترتيب أولوياته تحت ضغط البقاء.