الخميس، 21 مايو 2026 | الموافق ٤ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ
الرأي

في ذكرى الوحدة ال ٣٦ : الضالع... سخط من خذلان الموحّدين !

لا مقارنة بين الإنتقالي والحوثيين

الضالع لا تجيد الكلام، بل الأفعال ، وحين نقول إنها وحدوية في صميمها وفي فعلها، قد يستغرب الكثير ممن لا يرون فيها إلّا الأصوات الصاخبة الداعية إلى استعادة الدولة الجنوبية السابقة.

دعكم من عيدروس الزُبيدي وأتباعه ومجلسه الانتقالي، واصرفوا النظر عن الجدل الذي أحدثه عمرو البيض الذي أضحى عرّابًا لجنوب لا علاقة له باليمن واليمنيين؛ فهناك حقائق اجتماعية وتاريخية راسخة تؤكد أن الضالع سبّاقة في تجسيد التّوحّد، وفي أسمى وأنبل صوره.

نعم، حاربت وناضلت وضحّت زمنًا طويلًا من أجل الوحدة، وتجلّى ذلك بمواقف وأفعال لا حصر لها . ويمكن القول إن قادة ثورتها ودولتها المستقلة زايدوا وبالغوا كثيرًا في إعلامهم ونهجهم وأساليب عملهم لتحقيق الوحدة، وبشكل عنيف ومكلف جدًا، وكأنهم أرادوا اختزال الوطن في فكرة واحدة في أذهانهم، واختزال التاريخ في لحظة اندفاع ثوري جارف.

وبسبب تلك الشطحات الثورية غير الموضوعية، خاضت دولة الجنوب حربين، الأولى في سبتمبر 1972م، والأخرى في مارس 1979م إثر اغتيال الرئيس المقدم أحمد الغشمي في يونيو 1978م بحقيبة مفخخة، انتقامًا وثأرًا لاغتيال الرئيس المحبوب المقدم إبراهيم الحمدي وشقيقه الرائد عبد الله، قائد قوات العمالقة، يوم 11 أكتوبر 1977م.

وكأن التاريخ كان يكتب سيناريو مأساويًا بيدٍ ثأرية، لا تعرف غير لغة الدم والنار . وإذا كانت الحرب الأولى فُرضت على الدولة الجنوبية، فإن ذلك لا يعني براءتها من إشعال فتيلها، بسبب الخطاب العدائي أو بسبب الإرهاصات التي مُنيت بها القوى الثورية في صنعاء، على أيدي من أطلق عليهم نظام الجنوب "القوى الرجعية"، فلقد كانت السياسة آنذاك مرآةً مشروخة، تعكس وجوهًا مشوّهة للأشقاء قبل الأعداء .

وخلال تلك الحقبة التاريخية، أثبتت الضالع وأهلها حقيقة انتمائهم للوطن الواحد، إذ إن مساحتها الضئيلة لم تعرف الاستقرار يومًا، ومع ذلك شهدت موجات نزوح متواصلة إليها من مناطق النزاع ، وما يُحسب للضالع وأهلها أنهم فتحوا أبواب قلوبهم قبل مساكنهم، فما من قرية ضالعية إلّا وتوطّنت فيها عائلات نازحة .
وأكثر من ذلك، لقوا كل ترحاب وود، وعاشوا بسلام وأمان، حتى إنهم صاروا جزءًا من نسيجها الاجتماعي، بلا منّة أو ضيق، مجسّدةً اليمن في بقعة صغيرة، توزّع الحب كما توزّع الخبز، دون أن تنتظر شكرًا.

وهنالك من شارك القادمين من الشمال أرضه أو مسكنه، أو مدخراته البسيطة، فاشتغل هؤلاء وشاركوا الناس في تطلعاتهم وأحلامهم، وصاروا جزءًا من الذاكرة الجمعية لتلك القرى، وتلاشت الحدود بين "النازح" و"المقيم"، وحلّت محلها أخوّة السكن والروح والمصير .

وهذه مزية لم تشارك الضالع فيها غير مدينة عدن، وطبعًا، عدن كانت سبّاقة في استقبال كافة اليمنيين جنوبًا وشمالًا، فمنذ أزمنة بعيدة، حالها هكذا، لا تردّ أحدًا يأتيها؛ فحدثت تلك الهجرة العظيمة من أطراف تعز وإب والبيضاء، ومن تهامة وصنعاء والجوف ومأرب، ناهيك عن القادمين من مناطق الجنوب.

كانت عدن بوّابة الحلم، والضالع امتدادًا لهذا الحلم في قلب الجبل . وعندما أقول إن الضالع كانت عدن الثانية بالنسبة للنازحين من الشمال أثناء الحروب والصراعات الشطرية، أو حتى لأولئك الفارّين في عهد الأئمة خلال القرن العشرين، فأنا أتحدث عن تاريخ موازٍ من اللجوء الذي تحول إلى انتماء.

بينهم الوزير والمحافظ والعقيد والشيخ، فكل من وطأت قدماه الضالع بقي وعاش فيها حرًا أبيًا، بل وأضحى جنوبيًا وضالعيًا وحمل الفكرة الملهمة والسلاح دفاعًا عنها .
وهنالك من استشهد أو أُصيب، ولعل موزع صحيفة "الأيام" الشهيد عبده قائد ، رغم حداثة قدومه من حزم العدين، خير شاهد على أن الولاء للمكان لم يكن وليد الميلاد ، بل وليد العطاء والاحتضان .

والأغرب أن الكثير من هؤلاء صاروا اليوم أكثر تشددًا لاستعادة دولة الجنوب ، وهنا يبرز السؤال الموجع: ماذا حدث في الضالع؟ وكيف يمكن فهم وإدراك هذا الانقلاب؟ وهل ما نراه الآن من مظاهر ساخطة على الوحدة يُعد مسألة جمعية، أم مجرد أزمة عابرة؟!

الواقع أن الضالع اليوم لا يمثّل صوتها كل أطيافها، إنما هو سخط طيف واسع مُحبط، يُعد نتاج أزمة وطنية عميقة صنعها الفراغ وغياب الدولة اليمنية العادلة .
إنه سخط من وُعد بالجنة فوجد نفسه في الهامش، ومن حلم بدولة المواطنة فاستيقظ على دولة المحاصصة والمواطنة غير المتساوية.

هذه الأزمة جذورها ممتدة إلى ما قبل من وحّدوا الدولة الجنوبية ثم فشلوا في استعادتها مرتين ؛ في الأمس البيض، واليوم عيدروس .
ولأن ما يُطلق عليه ب " المثلث " (الضالع، ردفان، يافع) كان رأس النظام الذي قاد الجنوب إلى توحّد سياسي عاطفي تاريخي أكثر منه واقعي ونفعي؛ فلقد وجد ذاته الضحية والجلاد معًا .
حاول حل الأزمة الأولى والثانية باستعادة ما فقده، فوقع في الخطأ مرتين وما زال متخشبًا في قناعاته السابقة دونما محاولة جادة وموضوعية لمعالجة تلك الأخطاء القاتلة لروحه الوطنية والوحدوية .

وما هو مؤكد أن الحروب بقدر ما تحقق مكاسب سياسية وقتية للطرف المنتصر، لكنها تخلق أزمات مركبة نفسية وذهنية ووجودية ووطنية لا تقتصر فقط على الفئة الخاسرة .
هذه الأزمات المجتمعية غالبًا ما كانت كفيلة بأن تخلق المعادل الموضوعي المقاوم لها، فكان ولا بد أن تنشأ المقاومة الشعبية، المتشكلة أصلًا من حالة إقصاء وحرمان طالت غالبية شركاء التوحّد .
ولا ضير هنا في أن يقاوم الإنسان الظلم ويرفض التسلط والتمييز أيًا كان نوعه، ولكن ليس من العدل أن يبقى أسيرًا لقناعات ماضوية تجاوزها الوقت ، كما ولا من الحكمة مقاومة الحاضر بذات الخطاب والوسائل المشوّهة للوحدة وللتاريخ وللمكان، لا لشيء غير رغبة جامحة في السلطة، وغير نزوع أناني ذاتي .

الشهيد علي عنتر كانت أمنيته أن تتحقق الوحدة وهو ما زال على قيد الحياة، ولا مندوحة لديه إذا ما كان عامل نظافة في شوارع صنعاء . وفي إحدى خطبه الشهيرة، وصف مدافن الحبوب في إب بأنها "أستراليا ثورة 14 أكتوبر".

وعندما سأله صحافي لبناني، موفد مجلة "الهدف"، عن طبيعة التوحّد بين مجتمعين مختلفين ثقافيًا ، أجاب متهكمًا ومازحًا: "أي فارق ثقافي تتحدث عنه؟ فجميعنا نأكل العصيد، ونبترع، ونتعاطى أوراق القات". في هذه العبارة العفوية، اختزل عنتر فلسفة الوحدة في بساطتها ؛ جسد واحد، ومائدة واحدة، وحلم واحد .

الشهيد علي شائع هادي هو من صاغ كلمات نشيد الجيش الجنوبي: "جيشك وفي يا يمن، ففخري به". وما هو معلوم أن من كتب ولحن النشيد الوطني لدولة الجنوب "رددي أيتها الدنيا نشيدي"، هو الشاعر الكبير عبد الله الفضول، والفنان الكبير أيوب طارش، وكلاهما من تعز، وقد بدأ مسيرتهما الفنية في مدينة عدن .

جيل الحاضر أُعده ضحية لأفظع جريمة تشويه طالت إرثه وماضيه وتاريخه، والضالع أخذت النصيب الأكبر من هذا التشويه .
والمحزن للغاية أن من عبث بتاريخ نضالها ورسمها في مخيلة اليمنيين كبؤرة يسكنها الشيطان، هم أولئك الذين جسّدوا الوحدة الوطنية في أروع وأبهى صورة .
هم من حملوا السلاح والقصيدة والمبدأ، ثم غدروا بالمبدأ حين تحولت الوحدة إلى غنيمة، والوطن إلى إقطاعية سياسية.
إن ما تعيشه الضالع اليوم ليس انفصالًا عن اليمن بقدر ما هو انفصال عن حلم يمني كبير تعرض للخيانة ، فهذا الصوت خرج من رحم الألم، لا من قناعة بالانفصال، ففي أعماق كل ضالعي محبط، ما زال يسكن ذلك الإنسان الذي فتح بيته وقلبه للقادمين، وما زال ينتظر أن تفي اليمن الموحدة بوعودها، لا أن تتركه وحيدًا في وجه الفراغ، يواسيه طيف الماضي، وتلدغه حسرة الحاضر .

ختامًا، في خاصرة الضالع، حيث يلتقي الجبل بالحلم، تتجسد مأساة اليمن كلها؛ بلد لم يخن الوحدة، وإنما خذله الموحّدون .
إن جرح الضالع ليس جرحًا جنوبيًا، بقدر ما هو جرح يمني بامتياز ، ينزف ببطء، لكنه يكتب كل يوم سؤالًا من نار وأمل : متى تتحقق الدولة اليمنية التي تسع الجميع؟
متى تعود الضالع إلى رحاب اليمن الفسيح الذي لم تغادره يومًا، حتى وهي تلوّح بعلم الانفصال؟ فالضالع لا تحتاج إلى خطباء جدد ، وإنما إلى دولة عدل ومواطنة متساوية تليق بتضحياتها .
وحتى ذلك الحين، ستبقى الضالع ، كما كانت دائمًا، عصيّة على الكسر ، وفية لذاكرتها، تنشد العدل والمساواة لكل اليمنيين ، وتنتظر أن تصدق الدولة مع أبنائها، كما صدقوا معها يومًا .