يحكى أن جحا أضاع خاتمه في شارع مظلم، فعاد إلى بيته يبحث عنه تحت ضوء المصباح. وحين سألته زوجته: لماذا تبحث هنا وقد أضعته في الشارع؟ أجاب: الشارع مظلم، وهنا الضوء !.
تلك الحكاية تختصر جانبا من طريقة تعاطي المملكة العربية السعودية مع الأزمة اليمنية: البحث عن الحلول حيث يسهل البحث، لا حيث توجد المشكلة. فبينما توسع دوائر البحث عن التحالفات والاصطفافات، تغفل التحالف الأهم وهو إعادة بناء الدولة اليمنية ومركز قرارها !.
ما يحدث في اليمن والبحر الأحمر يجب ألا يقرأ بوصفه مجرد جولة أخرى من الصراع. فالحوثيون تمكنوا خلال السنوات الماضية من تحويل الجغرافيا اليمنية إلى ورقة ضغط إقليمية ودولية، ومع اتساع حضورهم على الساحل والاقتراب من الممرات البحرية الحيوية، تتسع قدرتهم على التأثير في حسابات الأمن والطاقة والتجارة..
والأخطر أن واشنطن لا تنظر إلى أمن السعودية واليمن بالضرورة من الزاوية نفسها التي تنظر بها الرياض. فقد كشفت التطورات الأخيرة عن تواصل أمريكي مباشر مع الحوثيين، وعن إحجام واشنطن عن الانخراط العسكري المباشر بالطريقة التي طلبتها الرياض، مع تركيز أمريكي واضح على حماية مصالحها ..
وحين يصبح الحوثي طرفا تستطيع واشنطن أو غيرها التفاوض معه مباشرة حول أمن البحر الأحمر، فيما يبقى القرار اليمني موزعا بين أطراف متعددة، فإن الخطر لا يكون قد أصاب اليمن وحده، بل يكون قد بدأ يمس موقع السعودية نفسها في معادلة الإقليم..
لذلك، فإن الطريق الأكثر أمنا ليس البحث عن مزيد من الحلفاء، بل صناعة شريك يمني قوي، وإعادة بناء الدولة، واستعادة مركز القرار، وفتح الباب أمام القوى التي جرى إقصاؤها، وصياغة مشروع سياسي ينهي أسباب الحرب ويحمي مصالح اليمن والسعودية معا..
فالتحالف الحقيقي الذي تحتاجه الرياض ليس تحالفا عابرا مع مجموعة من القوى، وإنما تحالف مع دولة يمنية قادرة على حماية نفسها وحدود جارتها..
وإذا كان جحا قد أضاع خاتمه في الظلام ثم بحث عنه تحت المصباح، فإن الخطر اليوم أن تبحث السعودية عن أمنها في كل مكان، بينما مصدر أمنها الاستراتيجي الأول موجود على حدودها: يمن مستقر، ودولة قوية، وقرار يمني موحد، وسلام دائم وشامل..
فالوقت الذي تظن السعودية أنه انتظارا للحل، قد يكون في الحقيقة وقتا يمنح للخصم ،كي يصنع واقعا يصبح تغييره أكثر كلفة عليها من منعه..





