ربما تعرف بالفعل أن الجلوس بمفردك أمام التلفاز أو التمرير الذهني على وسائل التواصل الاجتماعي ليس مفيدًا لصحتك النفسية أو الجسدية، والآن، تشير أبحاث جديدة إلى أن هذه العادات الذهنية السلبية قد تزيد من خطر الإصابة بالخرف. كما تُظهر كيف يمكن لتغييرات بسيطة في الأنشطة اليومية أن تحسّن صحة الدماغ على المدى الطويل.
تابعت الدراسة، المنشورة في المجلة الأمريكية للطب الوقائي، أكثر من 20 ألف بالغ سويدي تتراوح أعمارهم بين 35 و64 عامًا على مدى ما يقرب من عقدين. وقام المشاركون بتتبع أنشطتهم اليومية، بما في ذلك النشاط البدني ومدة الجلوس.
ثم صنّف الباحثون وقت الجلوس إلى فئتين:
•أنشطة نشطة ذهنيًا: وهي التي تتطلب تركيزًا ومشاركة واعية، مثل قراءة كتاب، حل الكلمات المتقاطعة أو استخدام الكمبيوتر للعمل.
•أنشطة سلبية ذهنيًا: وهي التي تتطلب جهدًا معرفيًا محدودًا، مثل مشاهدة المسلسلات.
ووجد الباحثون أن الأشخاص الذين يقضون وقتًا أطول في الأنشطة السلبية ذهنيًا لديهم خطر أعلى بشكل ملحوظ للإصابة بالخرف، بينما كان خطر الإصابة أقل لدى أولئك الذين ينخرطون أكثر في أنشطة محفزة ذهنيًا، وظل هذا الفرق قائمًا حتى بعد أخذ النشاط البدني في الاعتبار، ما يعني أن حتى من يعيشون نمط حياة خامل يمكنهم الاستفادة من زيادة الانخراط الذهني.
وتتوافق هذه النتائج مع فهمنا للدماغ بوصفه عضوًا يتكيّف باستمرار مع كيفية استخدامه، فالأنشطة التي تتطلب الانتباه وحل المشكلات تقوّي الروابط العصبية وتعزّز الشبكات المرتبطة بالذاكرة والتفكير، بينما لا توفر الأنشطة منخفضة الجهد نفس التحفيز.
وقد تلعب عوامل أخرى دورًا أيضًا، إذ إن الأنشطة السلبية ذهنيًا غالبًا ما تتضمن الجلوس لفترات طويلة، مما يقلل تدفق الدم إلى الدماغ مقارنة بالأنشطة الأكثر تفاعلًا التي تتضمن حركة وتبدلًا في التركيز.
وأشارت الدراسة إلى نتيجتين إضافيتين مهمتين:
أولًا، لاحظ الباحثون فوائد ملحوظة حتى مع تغييرات صغيرة. فإضافة ساعة واحدة من النشاط الذهني النشط ارتبطت بانخفاض خطر الخرف بنحو 4%. واستبدال ساعة من النشاط السلبي بنشاط أكثر تفاعلًا أدى إلى انخفاض يقارب 7%.
وثانيًا، تزداد الفائدة عند الجمع بين النشاط الذهني والنشاط البدني. فقد سُجل أكبر انخفاض في المخاطر لدى الأشخاص النشطين ذهنيًا الذين يحققون أيضًا التوصية بممارسة 150 دقيقة أسبوعيًا من التمارين البدنية المتوسطة إلى الشديدة.
عمليًا، يعني ذلك أن تغييرات بسيطة في الروتين اليومي قد تحقق فوائد حقيقية لصحة الدماغ. على سبيل المثال:
•اقرأ كتابًا بدلًا من مشاهدة حلقة إضافية من مسلسل
•توقف عن التمرير في الهاتف وجرب حل لغز سودوكو
•لا تكتفِ بالاستماع إلى الموسيقى، بل ابحث عن الكلمات وغنِّ معها
•جرّب هواية جديدة أو طوّر مهارة مثل الرسم، الرقص، تعلم لغة جديدة أو العزف على آلة موسيقية
كما أظهرت الدراسة، وبشكل مفاجئ إلى حد ما، أن تأثير الانخراط الذهني كان أوضح لدى كبار السن، وقد يعود ذلك إلى أن متطلبات العمل الذهنية في مراحل الحياة المبكرة توفر بعض الحماية، بينما يمتلك المتقاعدون وقتًا أكبر للأنشطة السلبية، أو ربما لأن الأنشطة الذهنية تصبح أكثر تأثيرًا في المراحل المتأخرة، حيث يزداد خطر الإصابة بالخرف، وفي كلتا الحالتين، فإن الرسالة مشجعة: فزيادة الأنشطة المحفزة ذهنيًا مفيدة في أي عمر.
ومع ذلك، فإن أبرز قيود الدراسة أنها لا تستطيع استبعاد ما يُعرف بالسببية العكسية؛ إذ قد يكون الأشخاص الذين يتمتعون بوظائف إدراكية أفضل أصلًا أكثر ميلًا لاختيار أنشطة ذهنية وبدنية نشطة.
ومع ذلك، تدعم الدراسة العلاقة بين النشاطين الذهني والبدني وخطر الخرف، وتضيف إلى الأدلة المتزايدة على أن نمط الحياة يؤثر في صحة الدماغ، ومن بين هذه العوامل أيضًا العلاقات الاجتماعية، وربما تكون أكثر الأنشطة فائدة هي تلك التي تجمع بين التفاعل الاجتماعي والتحفيز الذهني والنشاط البدني.
على سبيل المثال:
■ المشي مع صديق مع إجراء محادثة عميقة
■ الانضمام إلى صف جماعي لرياضة تاي تشي
■ المشاركة في حديقة مجتمعية
■ تجربة الرقص الجماعي
■ التطوع في برامج تعليم القراءة
فمثل هذه الأنشطة لا تنشّط الدماغ وتدعم الصحة البدنية فحسب، بل تفتح أيضًا الباب لتكوين صداقات جديدة وتعزيز الشعور بالانتماء والهدف في الحياة.





