لندن – اليمني الجديد
تستعد دار أبولو للفنون في العاصمة البريطانية لندن لعرض 14 قطعة أثرية يمنية في مزادات مقررة أواخر سبتمبر وبداية أكتوبر 2026، وفقاً لما أورده الباحث الأثري عبدالله محسن، في أحدث رصد للقطع اليمنية المعروضة في سوق الآثار الدولية.
وتتنوع المجموعة بين تماثيل الثيران والرؤوس البشرية والقطع الجنائزية والأواني الحجرية والمصنوعات البرونزية والذهبية، فيما يعود أقدم القطع، بحسب التأريخ الوارد في كتالوج المزاد، إلى الفترة الممتدة بين عامي 2600 و2000 قبل الميلاد.
ويرى محسن أن عرض هذه المجموعة يطرح مجدداً سؤالاً يتجاوز مجرد رصد القطع في المزادات: متى يتوقف العبث بآثار اليمن؟
وهل تستطيع ورش العمل والدورات والمؤتمرات أن تنقل التعامل مع هذه القضية من مرحلة مشاهدة صور الآثار اليمنية في المزادات ومجموعات التواصل الاجتماعي بحسرة، إلى تحرك حقيقي على الأرض وفي أروقة المزادات؟
ويؤكد أن استرداد قطعة أثرية يمنية واحدة قد يكون أكثر أهمية للبلد من كثير من الضجيج الإعلامي حول القضية.
فجوة زمنية بين النهب والبيع
ويعيد ظهور هذه القطع إلى الأذهان، بحسب محسن، ما نشرته صحيفة «سويس إنفو» حول الفجوة الزمنية التي قد تمتد لسنوات بين نهب القطع الأثرية وظهورها في سوق الفن الدولية.
وأشار إلى ما نقله التقرير عن المحامي مارك أندريه رينولد، الحائز على كرسي اليونسكو في القانون الدولي لحماية الممتلكات الثقافية، من أن بعض القطع قد تعود إلى الظهور في السوق بعد مرور 15 أو 20 عاماً.
وبحسب محسن، فإن هذه الآثار قد تمر بعمليات تضفي عليها مظهراً قانونياً أو تجارياً، قبل أن يجري تداولها على نطاق واسع، وصولاً إلى جامعي التحف الذين قد لا يعرفون مصدرها الحقيقي.
كما لفت إلى أن شبكات الاتجار بالممتلكات الثقافية تقف وراءها أحياناً هياكل احترافية، إلى جانب ارتباطها بالجريمة المنظمة.
ونقل محسن عن فابيان باراغا، رئيسة قسم نقل الممتلكات الثقافية دولياً في المكتب الاتحادي للثقافة، أن أهمية القطعة قد تكون عاملاً في إطالة الفترة بين نهبها وبيعها؛ إذ تتيح هذه المدة بناء سجل تاريخي للقطعة، بما يزيد فرص طرحها في السوق وبيعها بنجاح.
ماذا تقول بيانات المزاد عن مصدر القطع؟
وفي حالة القطع المعروضة لدى أبولو، يشير المزاد إلى أن عدداً منها خضع للمطابقة مع قاعدة بيانات سجل الأعمال الفنية المفقودة، وأن بعض القطع مرفق بخطابات أو شهادات تأكيد.
لكن محسن يشدد على أن عدم تسجيل قطعة أثرية في قاعدة بيانات للأعمال المفقودة لا يمثل، بحد ذاته، دليلاً كافياً على سلامة مصدرها أو قانونية خروجها من بلدها الأصلي.
ويجعل ذلك، بحسبه، توثيق سلسلة الملكية وتاريخ انتقال كل قطعة ودراسة الوثائق المرتبطة بها أمراً بالغ الأهمية، خصوصاً بالنسبة إلى القطع اليمنية التي خرجت من البلاد خلال فترات شهدت عمليات نهب واسعة للآثار.
ثور ضخم من الألباستر
ومن أبرز القطع المعروضة تمثال ضخم لثور من الألباستر، يعود، وفق كتالوج المزاد، إلى نحو القرن الثاني قبل الميلاد.
والثور منحوت واقفاً على قاعدة مستطيلة نحتت معه من الكتلة نفسها. ويتميز جسمه بالامتلاء والكتلة العضلية، فيما تبدو الأرجل مستقيمة والرأس منخفضاً قليلاً إلى الأمام.
وتبرز القرون والأذنان، بينما تظهر العينان كبيرتين لوزيتي الشكل تحت حاجبين مقوسين، ويمتد الذيل على الجزء الخلفي من الجسم.
وتبلغ أبعاد التمثال نحو 42 × 50 سنتيمتراً، فيما يتجاوز وزنه 25 كيلوغراماً، ما يمنحه حضوراً أقرب إلى النحت الكبير أو النحت المعماري منه إلى التماثيل الحيوانية الصغيرة.
ثور صغير من الألباستر
وتضم المجموعة كذلك تمثالاً آخر لثور صغير من الألباستر، يؤرخه المزاد إلى القرن الثاني قبل الميلاد تقريباً.
يقف الثور على قاعدة مستطيلة، بظهر مقوس قليلاً ورأس منخفض وقرون قصيرة وعينين كبيرتين وخياشيم محفورة. ويبدو الجسم كتلة واحدة متماسكة بتفاصيل تشريحية محدودة.
ويبلغ حجمه نحو 21 × 19 سنتيمتراً، ووزنه قرابة 3 كيلوغرامات.
خاتم ذهبي يحمل نقشاً مسندياً
ومن القطع اللافتة أيضاً خاتم من الذهب المصمت، تتسع حلقته عند الجزء العلوي لتشكّل فصاً بيضاوياً مسطحاً محفوراً عليه مونوغرام معقد من حروف متقاطعة.
ويتركز الاهتمام في القطعة على النقش المسندي، بما يمنح الخاتم طابعاً شخصياً.
ويبلغ قطره نحو 15.29 مليمتراً، ووزنه 7 غرامات.
ويذكر المزاد أن مصدره «مجموعة خاصة في المملكة المتحدة»، وأنه سبق اقتناؤه من سوق الفن في لندن قبل عام 2000.
ويرى محسن أن غموض البيانات المتعلقة بالمصدر يفرض ضرورة البحث في سلسلة ملكية القطعة، وما إذا كانت قد خرجت من اليمن في ظروف غير مشروعة.
مجموعة رخامية لحيوانين رابضين
ومن القطع الغريبة في تكوينها مجموعة رخامية لحيوانين رابضين.
يظهر حيوان كبير بجسم مستدير وأطراف مطوية ورقبة منتصبة، وبمحاذاة مقدمته حيوان أصغر يمتد إلى جانبه ويرفع رأسه.
ونُحت الحيوان الكبير بأسلوب مبسط، مع خطم قصير وعينين مستديرتين وأذنين صغيرتين، فيما تبدو المجموعة مدمجة في كتلة رخامية واحدة ذات قاعدة سفلية مسطحة.
وتبلغ أبعادها نحو 12 × 18 سنتيمتراً، ووزنها 1.9 كيلوغرام.
مبخرة رخامية على هيئة وعل
وتبرز في المجموعة قطعة ذات وظيفة واضحة، وهي مبخرة رخامية على هيئة وعل.
تمثل القطعة وعلاً واقفاً منحوتاً من الرخام، مع تجويف في ظهره يسمح باستخدامه كمبخرة.
ويتميز الوعل بجسم قصير ومتماسك ورأس منخفض، فيما يمثل القرنان الطويلان والمضلعان العنصر الأكثر وضوحاً في التكوين، إذ يرتفعان فوق الرأس ويلتفان باتجاه الظهر.
ويمنح الجمع بين صورة الوعل ووظيفة حرق البخور القطعة أهمية خاصة، إذ تجمع بين القيمة الفنية والوظيفة الطقسية.
وتبلغ أبعادها نحو 25 × 21 سنتيمتراً، ووزنها 1.5 كيلوغرام.
رأسان بشريان من الألباستر
وتضم المجموعة رأساً بشرياً من الألباستر، بوجه بيضاوي وعينين كبيرتين لوزيتي الشكل وأنف طويل ضيق وشفاه هادئة التشكيل.
كما تظهر الأذنان بوضوح، فيما عولج الشعر بأسلوب مختصر من خلال خطوط محفورة صغيرة.
وتضم المجموعة أيضاً رأس رجل من الألباستر بشارب ولحية، وهو أكثر تميزاً من الناحية البصرية؛ إذ يبدو الوجه أعرض، والعينان لوزيتين وكبيرتين، مع تجاويف ربما كانت مهيأة لإضافة تطعيمات.
وتظهر اللحية والشارب في صورة صفوف من النقاط المحفورة، فيما جاء الأنف طويلاً ومستقيماً والفم صغيراً ومغلقاً.
ويبلغ حجم الرأس نحو 18 × 15 سنتيمتراً، ووزنه 4.35 كيلوغرام.
ويذكر المزاد أن القطعة جاءت من مجموعة خاصة في المملكة المتحدة، وأنها اقتنيت سابقاً من سوق الفن في لندن خلال ثمانينيات القرن العشرين.
ثور كبير بطوق صدري
وتضم المجموعة تمثالاً آخر لثور كبير من الألباستر، يقف على قاعدة متكاملة، بجسم ممتلئ ورأس منخفض مواجه للأمام وقرون قصيرة وأذنين مدببتين وعينين لوزيتين.
ويتمثل أبرز عناصره في الطوق أو الصدرية المحفورة حول العنق، والتي تمنح التمثال طابعاً زخرفياً واحتفالياً.
وتبلغ أبعاده نحو 20 × 19.5 سنتيمتراً، ويزن 3.34 كيلوغرام.
تمثال أنثوي رخامي
ومن أكثر القطع اختلافاً عن بقية المجموعة تمثال أنثوي رخامي، إذ يعيده كتالوج المزاد إلى الفترة بين 2000 و1000 قبل الميلاد، أو إلى فترة لاحقة، وهو تأريخ يترك الباب مفتوحاً أمام أكثر من احتمال زمني.
وتبدو الهيئة الأنثوية شديدة التجريد؛ فالتمثال واقف، والساقان متلاصقتان، والذراعان مطويتان خلف الظهر، فيما الرأس مستدير والعينان دائريتان غائرتان.
وعلى الصدر عقد خرزي ينتهي بقلادة نصف دائرية، مع خصر ضيق ووركين بارزين، بينما حُددت أصابع القدمين بخطوط محفورة.
ويبلغ ارتفاع القطعة نحو 31 سنتيمتراً، ووزنها 2.93 كيلوغرام.
ويذكر المزاد أنها جاءت من مجموعة بريطانية خاصة، وكانت سابقاً ضمن مجموعة «إتش. جي.»، ومن مجموعة أ. كوتلار في باريس، ضمن السوق الفرنسية خلال الفترة 1970–2006.
كما يشير إلى التحقق من بياناتها في قاعدة بيانات سجل الأعمال الفنية المفقودة، وإرفاقها بشهادة تأكيد.
قلادتان برونزيتان على هيئة جمل
ومن القطع الأخرى زوج من القلائد أو الأختام البرونزية على هيئة جمال.
وتظهر القطعتان من الجانب، مع اختلاف في تفاصيل التكوين؛ فالأولى ذات رقبة طويلة ورأس مرتفع وسنامين وفتحة مستطيلة بين الأرجل، إلى جانب حلقات للتعليق عند الذيل وبين السنامين.
أما الثانية فرأسها منخفض وسنامها مرتفع، مع حلقة عند الذيل.
ويبلغ طول القطعتين نحو 7 سنتيمترات، فيما يصل وزنهما الإجمالي إلى 210 غرامات.
إناء حجري يعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد
ومن أقدم القطع في المجموعة إناء صغير منحوت من حجر داكن، يؤرخ المزاد إلى الفترة بين 2600 و2000 قبل الميلاد.
وجسم الإناء أسطواني يضيق تدريجياً باتجاه القاعدة، بينما يغطي سطحه زخرف يشبه خلايا النحل، يتكون من انطباعات بيضاوية متقاربة مرتبة في صفوف أفقية.
وفي أعلاه حافة عريضة بارزة إلى الخارج ذات شفة مستديرة.
وتبلغ أبعاده نحو 75 × 35 مليمتراً، ووزنه 85 غراماً.
تمثال جنائزي
وتضم المجموعة أيضاً تمثالاً جنائزياً يصور شخصية واقفة شديدة التجريد.
للتمثال ساقان قصيرتان منحنيتان قليلاً، وذراعان طويلتان تلتقيان أمام الجسم، مع خطوط محفورة لتمثيل الأصابع.
أما الجذع فمسطح وشبه مستطيل، والرأس كبير نسبياً مقارنة بالجسم، وله قحف مستدير وأنف بارز وعينان غائرتان مثقوبتان، فيما تظهر الأذنان مثقوبتين أيضاً.
ويبلغ ارتفاع التمثال نحو 18.5 سنتيمتراً، وعرضه 5 سنتيمترات، ووزنه 390 غراماً.
مقدمة ثور من الحجر الجيري
أما القطعة الرابعة عشرة فهي مقدمة ثور حجرية، وهي جزء أمامي منحوت من ثور، وليست تمثالاً كاملاً.
والقطعة مصنوعة من الحجر الجيري الشاحب، وتتقدم الرقبة إلى الأمام، فيما يضيق الخطم عند نهايته، بينما يبدو الرأس عريضاً وزاوياً.
وتظهر العينان دائريتين وبارزتين ومحفورتين بعمق، بينما تمثل فتحات الأنف بانخفاضين بسيطين، في حين لم تحفظ الأذنان والقرنان بالكامل.
وتبلغ أبعادها نحو 20 × 11 سنتيمتراً، ووزنها 3.44 كيلوغرام.
ويذكر المزاد أن مصدرها «مجموعة خاصة في لندن»، وأنها اقتنيت من سوق الفن البلجيكي في تسعينيات القرن العشرين.
آثار اليمن.. من المزادات إلى قضية استرداد
ويعيد عرض هذه القطع الأربع عشرة في مزاد واحد فتح ملف الآثار اليمنية الموجودة في أسواق الفن الدولية، ليس فقط من زاوية قيمتها الفنية والتاريخية، وإنما أيضاً من زاوية كيفية خروجها من اليمن، وتوثيق انتقال ملكيتها، ومدى توافق ذلك مع القوانين والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية الممتلكات الثقافية.
وتبرز أهمية تتبع سجلات الملكية، وفحص الوثائق التي تقدمها دور المزادات، ومقارنتها بقواعد بيانات القطع المفقودة والمسروقة، إلى جانب البحث في الأرشيفات القديمة وأسواق الفن التي ظهرت فيها القطع للمرة الأولى.
ويؤكد عبدالله محسن أن القضية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد رصد دوري لصور الآثار اليمنية وهي تنتقل من مزاد إلى آخر.
ويختصر موقفه بالقول إن المشكلة لا تكمن فقط في أن نرى آثارنا معروضة للبيع، بل في أن يتحول المشهد مع مرور الوقت إلى خبر عابر نقرأه ثم نمضي.
فكل قطعة يمنية يمكن توثيق خروجها بصورة غير مشروعة تمثل جزءاً من الذاكرة التاريخية للبلاد، واستعادتها لا ينبغي أن تكون مجرد انتصار إعلامي، بل خطوة عملية في حماية التراث اليمني واسترداد الممتلكات الثقافية التي خرجت من البلاد بصورة غير قانونية.





