صديقك ذاك الذي يحرص على أن يصلي في الشارع حتى لو كان في بلاد غير المسلمين ويعرقل حركة السير ويستحل ارضاً غصباً، وإذا ذهب إلى الوضوء جاء إليك وأكمامه مشمرة وكله يقطر (ويوطل) وإذا ناديته تأخر في الرد واستظهر استغفاراً، واذا خرج من الصلاة يقلب عينيه شمال ويمين ولا يجيب كلمة ويشعرك أن المود عنده عاده ما قلب، عاده يحتاج اعادة تشغيل.
أما لو ناقشته في الأفكار فهو إلى قبل خمس سنوات، يؤمن أن الأرض مسطحة "وقد قال شيخنا" ،صديقك هذا ستجده هذي اليومين من أكثر المتحمسين لنظام "الطيبات".
وهنا ستعرف أن الرابط المشترك هو التنطع الخالص. ورغبة الفرد في جعل التجربة الروحية التي تتطلب تزكية وحرص إلى أداة سلطة وموضع هيمنة يجب تعميمها على الجميع. ويقيس عليها قضايا تخص الصحة وعلوم الفلك.
كل شيء يعود إلى خيارات الفرد وقراراته وخصوصياته وليس على مرجع من المعارف المضبوطة.
صديقك هذا هو المنتج النهائي لبرامج تلفزيون الواقع. الحياة الخاصة تحولت إلى موضوع عرض مباشر. كاميرا في غرفة النوم، كاميرا في الحمام، كاميرا في المسبح، كاميرا في المطبخ. وإذا ما مفيش كاميرا على الأقل ميكرفون.
الحياة مكشوفة، تقدّم طازجةً عاريةً. بينما في القضايا الطبية، الأمر فيها خاضع لمنطق مختلف. منطق التجريب بأمان، والتجريب الذي يقاس لكل حالة على حدة. والمراجعة والبت في النتيجة لا يكون للتصويت ولا لطلب الليكات إنما لنماذج الفحص ونتايج المختبر.
مثل هؤلاء يعانون من متلازمة أكيدة؛ فائض إيمان رغوي ومساحة محدودة للتفكير العاقل والمسؤول. الحياة عندهم انغماس إلى أن يصلوا إلى القاع ثم يكون ما يكون.
في هذا الإيمان الرغوي تغرق الحقيقة لمجرد سقوطها عليه. تضيع.
الآن يعملون ليل نهار لإغراق الحقيقة الصحية والطبية في رغوتهم وزبدهم هذا. ليس لأن تجاربهم الشخصية التي ينقلونها بحرص مريب تقول ذلك - مع أنها تجارب شخصية ومؤقته ولا يبنى عليها ولو كان لديهم قليل حكمة لتورعوا وارعووا عن نقلها حتى يتبين الأمر. بل لأنهم في مرحلة وضع العلم أمام امتحان الإيمان.
السؤال بالنسبة لهم : هل سيصمد العلم أمام الحقيقة المقدسة المستلهمة من ابتسار آيات قرانية.
احذروهم وحذروهم من أنفسهم. لماذا؟
لأنهم لا يدركون قيمة الإنسان التي شددت عليها كل كتب الإيمان والرسائل الروحية. لم تجعله يوما ً موضع رهان سخيف. بل رفعته إلى مقام القسَم.
لانهم لا يعرفون أن المدة اللازمة لتطوير علاج -في عالم اليوم (المتسارع) - بين خمس إلى ثمان سنوات وبعضها يمتد إلى 15 سنة.
من لحظة المعادلة الكيميائية والتحضير ثم التجارب المعملية على الحيوانات وصولاً إلى الترخيص والتسويق.
لا يهمهم هذا البرتوكول المعقد الذي صُمّم لصون الإنسان في نفسه.
فرحون بأنهم ضد التيار ويتغافلون أنهم ضد أول مقاصد الشريعة ،التي يتشدقون بها: صون الإنسان في نفسه.
يفترض أن منشوراتهم تغدوا مصنفةً انتهاكاً ودعوة إلى الفساد والقتل. هذه ليست آراء ولا تجارب شخصية.
أنا يمكنني أن أقص لكم تجربتي مع سيكل (دراجة)،مع سيارة جديدة أو قديمة، دخولي الساونا، استعمالي لمشط جديد لشعري، في فندق جديدة، أو المشي في الغابة. لكن لا يحق لي نشر تجربة في التوقف عن الدواء بمزاجي دون التنبيه عن المخاطر وبعد مرور وقت كافي للنتائج.
مرة أخرى ، احذروهم وحذروهم من انفسهم.





