أثار قرار زيادة مرتبات موظفي القطاع المدني بنسبة 20% نقاشًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية والإدارية والمجتمعية. وبين الترحيب بالقرار والتشكيك في جدواه، تبدو الحاجة ملحة إلى قراءة موضوعية تميز بين ثلاثة مستويات مختلفة غالبًا ما تختلط في النقاش العام: الشرعية القانونية للقرار، وعدالته الإدارية، وفاعليته الاقتصادية.
أولاً: من الناحية القانونية
عند قراءة القرار يتضح أنه لم يخرج عن الإطار التشريعي القائم، بل استند إلى هيكل الأجور والمرتبات النافذ، وربط الزيادة ببداية ربط الدرجات الوظيفية المعتمدة في قانون الأجور والمرتبات ولائحته التنفيذية، مع تحديد حدود دنيا وعليا للزيادة. وبالتالي فإن القرار من حيث المبدأ يتسق مع المنظومة القانونية السارية ولا يمثل خروجًا عليها.
غير أن سلامة القرار قانونيًا لا تعني بالضرورة كفايته اقتصاديًا، لأن القانون يحدد آلية الاحتساب، بينما يتولى الاقتصاد تقييم مدى قدرة تلك الآلية على تحقيق أهدافها المعيشية.
ثانياً: أين تكمن الإشكالية الحقيقية؟
يذهب جزء من النقاش إلى مقارنة الزيادة الحالية بأول راتب حصل عليه الموظف عند تعيينه قبل سنوات طويلة. وهذه المقارنة لا تعكس الأساس الذي بني عليه القرار.
لكن في المقابل، فإن الاقتصار على تطبيق مربوطات الأجور الواردة في قانون صدر عام 2005 يثير سؤالًا أكثر أهمية:
هل ما زالت الأسس المالية التي بُني عليها ذلك القانون تعكس الواقع الاقتصادي لعام 2026؟
هنا تكمن القضية الجوهرية.
فقانون الأجور والمرتبات وُضع في بيئة اقتصادية مختلفة تمامًا من حيث مستويات الأسعار، وسعر الصرف، وتكلفة المعيشة، وهيكل الإنفاق الأسري. وخلال أكثر من عشرين عامًا شهد الاقتصاد اليمني تغيرات عميقة جعلت الفجوة تتسع بين الأجر القانوني والأجر الحقيقي.
ثالثاً: الفجوة بين الأجر القانوني والأجر الحقيقي
من منظور اقتصادي، لا تقاس الرواتب بقيمتها الاسمية المسجلة في كشوفات المرتبات، وإنما بقوتها الشرائية الفعلية.
فقد يحصل الموظف على زيادة قانونية صحيحة وفق نصوص التشريع، لكنه في الوقت نفسه قد لا يحقق تحسنًا ملموسًا في قدرته على مواجهة تكاليف المعيشة إذا كانت الأسعار قد ارتفعت بمعدلات تفوق الزيادة الممنوحة.
وهنا تظهر فجوة مهمة يمكن تسميتها:
فجوة المواءمة الاقتصادية للتشريع.
أي أن التشريع ما يزال نافذًا قانونيًا، لكنه يستند إلى هيكل أجور صُمم في ظل ظروف اقتصادية مختلفة جذريًا عن الظروف الراهنة.
رابعاً: لماذا لا يكفي الحديث عن نسبة الـ20% وحدها؟
لأن النسبة في حد ذاتها لا تعبر عن الأثر الاقتصادي الحقيقي.
فالزيادة البالغة 20% عند احتسابها على مربوطات وضعت قبل أكثر من عقدين ستنتج زيادات نقدية متفاوتة، يصل بعضها إلى نحو 20 ألف ريال فقط.
اقتصاديًا، لا يقاس أثر هذه الزيادة بالنسبة المئوية وحدها، وإنما من خلال مقارنتها مع:
معدل التضخم المتراكم.
● الارتفاع في أسعار السلع الأساسية.
● التغير في سعر الصرف.
● تكلفة المعيشة الفعلية للأسرة.
وفي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات، يصبح سعر الصرف عنصرًا مؤثرًا في القوة الشرائية أكثر من كونه مجرد رقم نقدي.
خامساً: هل توجد فجوة قانونية؟
بالمعنى القانوني الدقيق، لا يبدو أن القرار يعاني من ثغرة قانونية مباشرة، لأنه يستند إلى قانون نافذ وإلى الجداول المعتمدة فيه.
لكن يمكن الحديث عن وجود فجوة تشريعية اقتصادية تتمثل في عدم وجود آلية دورية ضمن هيكل الأجور لربط المرتبات بمؤشرات اقتصادية متغيرة مثل التضخم أو تكلفة المعيشة أو تدهور القوة الشرائية للعملة.
وهذه ليست مشكلة تخص هذا القرار وحده، بل ترتبط ببنية نظام الأجور نفسه.
ومن هنا فإن القضية الأساسية لا تتعلق بنسبة الزيادة بحد ذاتها، بل بالسؤال الأعمق: هل ما زال هيكل الأجور الذي وُضع عام 2005 قادرًا على الاستجابة لواقع اقتصادي مختلف جذريًا في عام 2026؟





