الجمعة، 21 أغسطس 2026 | الموافق ٧ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ
الرأي

من صانع للأجيال إلى ضحية للفقر: قراءة علمية في واقع المنظومة التربوية في اليمن

معضلة التحرير: القبيلة بين "شرعية الدولة" وعباءة الحوثي

تشكل المنظومة التعليمية الركيزة الاستراتيجية الأولى لأي أمة تطمح إلى صياغة مستقبلها؛ فالتعليم يتجاوز مفهوم التلقين التقليدي للمعارف النمطية ليُمثّل عملية هندسة متكاملة للوعي وبناءً شاملًا للإنسان.

غير أن تتبع مسار العملية التعليمية الراهن - لا سيما في البيئات التي تشهد هزات هيكلية واقتصادية عميقة كالواقع اليمني - يكشف عن أزمة بنيوية متفاقمة تتجاوز التحديات التقليدية، لتمس جوهر البقاء الإنساني والمؤسسي للمؤسسة التربوية بأسرها.

إن تفكيك مشهد التعليم اليوم يستدعي مقاربة علمية تربوية رصينة ترصد بدقة مكامن الخلل، وتعالج التقاطع الحرج بين تآكل كرامة المعلم، وشيخوخة البنية البشرية للمؤسسات التعليمية، وعزوف الناشئة، والافتقار إلى التخطيط الاستراتيجي المستدام.

أثبتت أدبيات الإدارة التربوية وعلم الاجتماع المعرفي أن جودة أي نظام تعليمي محكومة حتمًا بجودة كوادره البشرية. بيد أن الواقع المعيشي والاقتصادي المتردي الذي يعيشه المعلم اليمني اليوم ،يعكس مأساة حقيقية؛ فهو يرزح تحت وطأة الفقر المدقع والعوز الشديد نتيجة الأجر الزهيد وشبه المنعدم الذي يتلقاه، والذي عجز كليًا عن الإيفاء بأبسط مقومات الحياة الإنسانية الكريمة.

حين يجد المعلم نفسه مجبراً على مواجهة تضخم اقتصادي هائل بجيوب خاوية ،ودخل لا يكفي حتى لتأمين الحد الأدنى من رغيف الخبز، فإنه يُدفع قسراً نحو معركة بقاء يومية مرهقة تفصله جذرياً عن سمو رسالته.

إن هذا التهميش القاسي لا يمثل مجرد إجحاف فئوي ضيق، بل هو تقويض مباشر لأمن المجتمع المعرفي بأسره؛ إذ كيف لمعلم يصارع شبح الجوع والعوز أن يُنتج طاقة إيجابية، أو أن يغرس قيماً وطنية وعلمية في وجدان الأجيال الناشئة؟

إلى جانب المأساة المعيشية المؤلمة للمعلم، تواجه المؤسسات التعليمية (المدارس) كارثة هيكلية بالغة الخطورة تتمثل في فراغها الممنهج من الكوادر المؤهلة والخبرات الحقيقية.

فاليوم، لو تفقدنا واقع مؤسساتنا التعليمية لوجدنا أنها باتت شبه خاوية من المعلمين الرسميين المخضرمين، وذلك لبلوغ معظمهم سن التقاعد القانوني أو ما يُعرف بـ "حد الأجلين" وظيفياً وصحياً، في حين يُكابد من تبقى منهم تحت وطأة الأمراض المزمنة وإنهاك الجسد بفعل سنوات المعاناة الطويلة.

والأدهى من ذلك، أن قاعات الدرس باتت تشهد حضور ما يمكن وصفهم بـ "أشباه معلمين" ممن فُرضوا على العملية التعليمية بمعزل عن أي تأهيل تربوي أو كفاءة مهنية معتبرة، لا يملكون من أبجديات التحدي المهني ولا أدوات التدريس الحديثة شيئاً، مما أحال المدارس إلى هياكل فارغة تفتقر لأدنى معايير الرصانة والجودة الأكاديمية.

تنعكس هذه التصدعات البنيوية والمؤسسية بشكل مباشر ومأساوي على مخرجات التعليم والبيئة الصفية برمتها؛ ففقدان الثقة المجتمعية بجدوى التعليم في ظل هذا الانهيار الشامل أدى إلى ظاهرة مقلقة تمثتل في عزوف الأبناء والشباب عن مقاعد الدراسة وانصرافهم نحو مسارات هامشية.

إن المعلم المنهك مادياً ونفسياً، والبيئة المدرسية المفتقرة إلى أبسط مقومات الجاهزية والكفاءة، يتضافران ليخلقا شعوراً جمعياً بعدم جدوى العملية التعليمية، الأمر الذي ينذر بكارثة ثقافية واجتماعية بعيدة المدى تهدد مستقبل الأمة في عمق بنيانها.

إن أي مسعى لإصلاح التعليم بمعزل عن معالجة جذوره البشرية والمؤسسية يُعد حرثاً في البحر وضرباً من العبث.

ولتدارك هذا الانهيار الوشيك، بات لزاماً تبني منظومة إصلاحية شاملة وناجزة ترتكز على المحاور الآتية:

● صياغة سلّم أجور عادل ومستقل للمعلمين يواكب متطلبات العيش الكريم، ويضمن تحصين الكادر التعليمي ضد ضغوط الفقر والحاجة، تزامناً مع تحسين بيئة العمل المدرسية وتوفير أدوات الدعم النفسي والمؤسسي اللازم.

●  إطلاق خطة طوارئ حكومية ومجتمعية لاستئناف التوظيف المنتظم، واستيعاب الخريجين الشباب المؤهلين من كليات التربية، وإخضاعهم لبرامج تأهيل واحتضان مهني متقدمة تضمن نقل الخبرات وتجديد دماء المؤسسات.

●  إنشاء برامج دعم اقتصادي واجتماعي مخصصة للأسر المتعففة للحد من الانقطاع المبكر للطلاب، وإعادة إحياء الأنشطة اللاصفية لبث الشغف والدافعية للتعلم في نفوس الناشئة.

●  تفعيل الدور الحقيقي للخبراء والنقابات والروابط المهنية في صياغة السياسات التعليمية، بمعزل عن الحلول الارتجالية والشعارات الفضفاضة.

إن بناء المستقبل واستشراف آفاقه التنموية، يبدأ حتماً من إعادة هندسة العملية التعليمية على أسس علمية ووطنية سليمة ،وإن إنقاذ المعلم اليمني من وطاة الفقر والعوز، وتجديد دماء المؤسسات التعليمية بالكوادر المؤهلة، لا يعد ترفاً ولا مطلباً فئوياً ضيقاً، بل يُمثل خط الدفاع الأول عن بقاء الأمة وسلامة عقول أبنائها.