تعتمد الإستراتيجية الدعائية للحوثيين في هذه الحرب -وتحديدًا منذ يوليو الماضي- على أسلوب "الإغراق والتكرار"؛ فالخريطة الوهمية للتقدم والاستيلاء ذاتها تُنشر وتُتداول في آلاف الحسابات اليمنية والعراقية بشكل مكثف، وأخبار سقوط المواقع تتكرر بنفس الصيغة وكأنها رسائل هاتفية نصية.
منذ يومين، ظهرت حملة حوثية موجهة تتكلف الخطاب "العاطفي" تجاه تعز والحرص على الدماء، وكأن الحوثيين يواجهون في تعز كائنات فضائية، وليسوا يعتدون على سكان قرى آمنين!
تساءل واحد منهم مستنكراً شجب أبناء تعز للحشود الحوثية من أبناء المحافظات الأخرى نحو مدينتهم، خصوصًا من صعدة.
هل يريد أن يراهم الناس في مهمة لتحرير القدس من "الكدحة"؟
أو في مهمة لاجتياح الشواطئ الشرقية الأمريكية من جبال "كهبوب" و"الوازعية"؟
ذهب يحتج متسائلًا: "لماذا يُشكل أبناء تعز النسبة الأكبر من جنود الحكومة في جبهات صعدة؟"
وهو في الحقيقة سؤال وجيه، لكن إجابته تفضح واقعًا آخر: ما الذي دفع أبناء تعز إلى ترك أعمالهم وحياتهم والتوجه نحو خطوط النار؟
أليس هو تعطيل الحياة الشامل، وإيقاف التعليم، وحرمان المدينة من معلميها بسبب عدوان الحوثي بعد أن خسرت تعز في هذه الحرب أكثر من 6 آلاف معلم؟ أليس هو العدوان المستمر والحصار الخانق الذي يفرضه الحوثي على المدينة منذ مطلع عام 2015؟
قبل هذه الحرب، كان حضور أبناء تعز في السلكين العسكري والأمني محدودًا جدًا؛ إذ لم تكن العسكرية خيارهم ولا مطلبهم. لكن الحوثي بحربه هذه هو من ألجأهم إلى التجنيد وخوض المعارك دفاعًا عن وجودهم.
هذه الحرب التي فجرها الحوثي لن تقود إلى تعضيد الوعي الجمهوري فقط، بل ستقود إلى تحولات اجتماعية ما كان أحد يتوقعها، ستغير في الشخصية العامة لكثير من مناطق اليمن، وستفجر أمام الناس الأسئلة التي طالما حاولوا تجاهلها، وتدفع بالحساسيات الجهوية والمذهبية إلى أبعد مدى.
في المحصلة سيكون الحل دولة مواطنة، ورفضاً لكل أشكال الهيمنة والاستعلاء والامتيازات الكاذبة السلالية والدينية.
سؤاله وجيه بالفعل، لأن الدلالة الحقيقية لوجود أعداد كبيرة من أبناء تعز في صفوف القوات الحكومية تحولت إلى سبب إضافي لمضاعفة السخط الحوثي والأحقاد عليها؛
ولأن المعنى الجوهري لذلك هو أن كل محافظة محررة تتحول تلقائياً إلى مخزن بشري ومصدر قوة لمواجهة المشروع الإمامي الجديد.





