الأربعاء، 9 سبتمبر 2026 | الموافق ٢٦ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ
الرأي

غروندبرغ في اليمن: هل المطلوب وقف إطلاق النار أم إنهاء الحرب؟

الدكتور عادل الشجاع "الخلاف بين رئيس المجلس الرئاسي والحكومة يكشف ضعف القرار اليمني والهيمنة الخارجية ومقتل صالح كان ضمن اتفاق دولي"

منذ سنوات، يواجه المبعوثون الأمميون إلى اليمن اتهامات متكررة بالانحياز من أطراف الصراع. ومع عودة المواجهات العسكرية إلى الواجهة، تتجدد الانتقادات الموجهة إلى المبعوث الأممي هانس غروندبرغ، وسط انطباع متزايد لدى قطاع من اليمنيين بأن مهمته تنحصر في تهدئة الجبهات ومنع الانفجار الكبير، أكثر من العمل على إنهاء الحرب من جذورها..

فمنذ سنوات، تبدو المقاربة الأممية وكأنها تتعامل مع الحرب باعتبارها أزمة ينبغي احتواؤها، لا صراعا سياسيا وعسكريا له أسباب واضحة وأطراف تتحمل مسؤوليات متفاوتة. ولهذا تحولت الهدن والتفاهمات المؤقتة إلى غاية بحد ذاتها، بدلا من أن تكون جسرا إلى سلام دائم..

لا يحتاج اليمنيون إلى هدنة طويلة فقط، بل إلى خارطة طريق تقول بوضوح: كيف تنتهي الحرب؟ من يسلم السلاح ولمن؟ كيف تستعاد مؤسسات الدولة؟ كيف تعالج آثار الانقلاب والحرب؟ كيف تضمن مشاركة اليمنيين في صياغة مستقبلهم؟ وكيف تمنع عودة الصراع بعد سنوات من الهدوء..

إذا كان غروندبرغ يعتقد أن مهمته هي منع الحسم العسكري فقط، فإنه بذلك يخاطر بتحويل الأمم المتحدة إلى أداة لإدارة ميزان القوى، لا إلى وسيط لصناعة السلام. فليس مطلوبا من الأمم المتحدة أن تختار الحرب، لكن ليس مقبولا أيضا أن تتعامل مع استمرار الحرب وكأنه قدر دائم، أو أن يصبح خفض التصعيد هدفا نهائيا بحد ذاته..

المطلوب هو مسار سياسي ينهي الحرب لا هدنة تمنحها فترة استراحة. وهنا ينبغي لمكتب المبعوث أن يتوقف عن الدوران داخل الحلقة نفسها، وأن ينفتح بجدية على المبادرات والرؤى اليمنية التي تحاول تقديم حلول تتجاوز إدارة الجبهات..

ومن بين هذه المبادرات مشروع السلام الذي قدمته المبادرة اليمنية للسلام والتنمية في اليمن، بما تطرحه من إجابات واضحة بشأن السلاح، والدولة، ومؤسساتها، وشكل التسوية السياسية، والحقوق والحريات، وضمانات عدم العودة إلى الحرب، لأن السعي إلى إيجاد هدنة لن يكون سوى ترحيل للأزمة إلى موعد جديد..

اليمن لا يحتاج إلى مبعوث ينجح في إطفاء النار مؤقتا، ثم يغادر تاركا تحت الرماد وقود الجولة المقبلة. يحتاج إلى مبعوث يمتلك الإرادة السياسية للانتقال من إدارة الحرب إلى إنهائها، ومن احتواء الصراع إلى معالجة أسبابه، ومن تدوير المبادرات إلى تبني خارطة طريق قابلة للتنفيذ..

والفرصة ما زالت قائمة. فالاستفادة من المشاريع اليمنية الجادة، ومنها مشروع السلام الذي قدمته المبادرة اليمنية للسلام والتنمية في اليمن، يمكن أن تكون خطوة في الاتجاه الصحيح نحو مقاربة أكثر التصاقا بالواقع اليمني وأكثر قدرة على إنتاج سلام مستدام..

فمهمة المبعوث الأممي ليست أن يمنح اليمن هدنة أخرى، مهمته أن يجعل الهدنة الأخيرة هدنة تقود إلى السلام واستعادة الدولة، لا هدنة تسبق حربا جديدة..