يحمل بيان “تيار استعادة دور المؤتمر” في مضمونه فكرة تستحق التوقف أمامها بجدية، بل ويمكن القول إنها فكرة ضرورية في هذه المرحلة المضطربة التي يمر بها اليمن.
فالمؤتمر الشعبي العام، بحكم نشأته وتكوينه، ليس حزبا تقليديا ضيق الأفق أو قائما على أيديولوجيا واحدة، بل هو مظلة سياسية واسعة تشكلت من مختلف التيارات والأفكار.
واستوعبت على مدى عقود طيفا واسعا من القوى الاجتماعية والسياسية. هذه الطبيعة التعددية تجعل منه، نظريا وعمليا، الحزب الأكثر قدرة على احتواء الجميع، وتوفير مساحة توازن تحمي الحياة السياسية من الإقصاء والاستهداف..
الإشكالية الأعمق تكمن في أن معظم الأسماء التي طرحت في هذا السياق لم تعرف خلال السنوات الماضية بالدفاع عن المبادئ أو اللوائح التنظيمية للمؤتمر،
ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى إعادة تفعيل دور المؤتمر ليست فقط مشروعة، بل ملحة، لأن الفراغ الذي تركه لم يملأ ببديل قادر على الجمع أو الحماية، بل على العكس، ساهم في تعميق الانقسامات وتغذية الصراعات الضيقة. غير أن قوة الفكرة وحدها لا تكفي، فالمشكلة الحقيقية تكمن فيمن يتصدرون حملها..
فالقيادات التي تقف اليوم خلف هذا الطرح، وبغض النظر عن نواياها، لا تبدو في مستوى المسؤولية التاريخية التي تتطلبها هذه المهمة.
إذ أن استعادة دور حزب بحجم المؤتمر تبدأ أولا باستعادة القرار المستقل، وهذه هي الحلقة المفقودة. فمن رهن قراره لغيره، أو عجز عن امتلاك إرادته السياسية، لا يمكنه أن يقود مشروعا لاستعادة دور كيان وطني بحجم المؤتمر. ففاقد الشيء لا يعطيه، ومن لا يملك قراره لا يستطيع أن يكون مظلة لقرارات الآخرين..
فالقيادات التي تقف اليوم خلف هذا الطرح، وبغض النظر عن نواياها، لا تبدو في مستوى المسؤولية التاريخية التي تتطلبها هذه المهمة.
ولعل الإشكالية الأعمق تكمن في أن معظم الأسماء التي طرحت في هذا السياق لم تعرف خلال السنوات الماضية بالدفاع عن المبادئ أو اللوائح التنظيمية للمؤتمر، بل ارتبطت مواقفها، في الغالب، بأشخاص لا بأفكار. فخلافاتهم لم تكن حول برامج أو رؤى سياسية، بل حول ولاءات وتحالفات شخصية، وهو ما أضعف مصداقيتهم في تمثيل مشروع وطني جامع.
وحين تتحول السياسة إلى اصطفاف حول الأفراد بدلًا من الالتزام بالمؤسسات، فإن أي حديث عن استعادة الدور يصبح أقرب إلى الشعار منه إلى المشروع..
لهذا، يمكن القول إن الفكرة ولدت قوية، لكنها قدمت بأدوات ضعيفة، وهو ما يجعلها، في صورتها الحالية، أقرب إلى فكرة مؤجلة التنفيذ، أو مشروع لم يكتمل نضجه بعد.
وربما كان الأجدر أن يعاد طرحها من زاوية “تفعيل المؤتمر” لا “استعادته”، فالمؤتمر، في الحقيقة وعلى رأي الأستاذ رضوان الهمداني، لم يختف حتى يستعاد، بل لا تزال قواعده حاضرة وفاعلة في كل نسيج المجتمع اليمني، وعلى امتداد جغرافيته..
هذه القواعد، التي لم تنجر إلى خطاب الكراهية، ولم تنخرط في معارك الإقصاء، ظلت متمسكة بفكرة الدولة الجامعة، ومؤمنة بأن الوطن يتسع للجميع. وهي تمثل الرصيد الحقيقي الذي يمكن البناء عليه، لا تلك القيادات التي استهلكتها الصراعات أو فقدت استقلاليتها..
حين تتحول السياسة إلى اصطفاف حول الأفراد بدلًا من الالتزام بالمؤسسات، فإن أي حديث عن استعادة الدور يصبح أقرب إلى الشعار منه إلى المشروع..
إن إعادة الاعتبار للمؤتمر الشعبي العام لا تحتاج إلى شعارات جديدة بقدر ما تحتاج إلى قيادات تمتلك الشجاعة لاستعادة قرارها أولا، والالتزام بالمؤسسة ثانيا، والانتصار للفكرة لا للأشخاص ثالثا. حينها فقط، يمكن أن تتحول هذه الدعوات من بيانات سياسية إلى مشروع وطني حقيقي يعيد التوازن للحركة السياسية في اليمن..





